فوقع في كلام الغزالي رحمه الله ما هو من جنس كلام القرامطة الباطنية وأتباعهم، بل وقع في كلامه ما هو من جنس كلام الفلاسفة والمناطقة؛ حتى قال الغزالي رحمه الله في أول كتاب المستصفى:"من لم يتعلم المنطق وقواعده لا يوثق بعلمه"، وهذا شيء عجيب جدًا وناقشه فيه الأئمة، حتى إن المازري رحمه الله رد عليه وكان من علماء المغرب في دولة المرابطين، وكانت كتب الغزالي تحرق حرقًا، إذ كيف يقول هذا الكلام، والصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم أوثق الناس علمًا، ونحن نثق بعلمهم أعظم الثقة، لم يتعلموا قواعد المنطق، ولا من جاء بعدهم؟! فالمقصود أنه وقع في كلامه من جنس كلام هؤلاء، ومع ذلك فمن يستطيع أن يشهد ويتحمل القول بأنه في الباطن لا يحب الله ورسوله؟ هذا لا يقوله أحد.
ولهذا اختلف العلماء في حكمه وفي إعذاره وعدم إعذاره، ولكنهم لم يقولوا عنه: إنه كافر أو مرتد، إذن فالعالم يمكن أن يجتمع فيه محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان، ومع ذلك يقع في مثل هذه الأقوال وموافقة كلام الآخرين، ولو أن كل مبتدع يكفر؛ لقلنا: بكفر أناس لا نجزم نحن بأنهم في الباطن منافقون وكفار وزنادقة، لكننا نعتقد أنه تجتمع فيهم محبة الله ورسوله، والوقوع في هذه البدع.
فلو أن المسلمين فهموا هذه الأمور وأخذوا هذه القواعد الذهبية المستقيمة لما جاروا في الأحكام، فهم في حالين متعاكستين: إما غلو في المحبة يتناسون معه الأخطاء وإن كانت كبيرة وفادحة، وإما غلو في العداوة يتناسون معه الفضائل وإن كانت عظيمة وظاهرة.