كما أن من الأمثلة ما جاء عن بعض المتأخرين الذين وافقوا الجهمية. ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي الذي وافق في كتبه كلام الجهمية في نفي الصفات، فقد جاء عنه في الحديث الذي فيه أن الله سبحانه وتعالى يضع قدمه في نار جهنم، أنه يقول: يضع الجبار، والجبار اسم ملك، أو أن الجبار هو الشيطان، يعني يقول: إن التأويل لابد منه هنا، وعلى هذا فإن أبا حامد الغزالي وقع في بعض مقالات الجهمية، ووقع أيضًا في بعض مقالات من هو أشد من الجهمية وهم الباطنية، فتجدون كلام الغزالي عندما يتكلم عن العلم الباطن، والعلم الظاهر، وعالم الملكوت، وعالم الجبروت، وهذا مذهب الباطنية، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس العلم الظاهر، وكان هناك علم باطن اختص به علي بن أبي طالب أو اختص به فلانًا أو فلانًا، وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم! لكن هذا هو معتقدهم، فيأتي الإمام الغزالي رحمه الله ويكتب المضنون به على غير أهله -سبحان الله- ويقول: هذا العلم لا يقبله العامة، ويقول: هذه العلوم النفيسة لا تعطى للعامة.
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل أناس مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
يقول هذا الشاعر: هناك جوهر علم لا نبثه في الناس ولا نقوله؛ لأننا لو قلناه لقيل: هؤلاء ممن يعبدون الوثن ولتقرب المسلمون بدمائنا، وهم يرون ذلك من أفضل الأعمال، ولذلك فلن نبث ذلك العلم.
وهذا الأمر عجيب عنهم، فلماذا لا يظهرون هذا العلم لو كان حقًا؟!