فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 359

وإن أمامنا مثالًا واضحًا جليًا في مسألة الانتحال، فهذا الإمام زيد المشهور نسبة الزيدية إليه، والزيدية على منهج ومذهب المعتزلة ثم يقولون: نحن زيدية، فيقال: ليس عند زيد ما يوافق به منهج الزيدية، فإن زيدًا وافق المعتزلة في مسألة واحدة فقط وهي مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي على أساسها خرج على بني أمية، ولم يكونوا كفارًا، بل كانوا حكام جور، وخرج من اتبعه من بعده على بني العباس، فخرجوا على أئمة الجور، ورغم هذا فنقول: لا نجزم أنه كان يعتقد هذا المبدأ للاعتقاد، لكن قد يكون رأى المصلحة في هذا الخروج. والمقصود أن الزيدية جاءوا من بعده ونسبوا كل مذهب المعتزلة إليه، وقالوا: من فضل زيد وشرفه وعلمه أنه تلقى المذهب على يد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، بئس الشيخ وبئس المعلم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء! لكن يظن الزيدية أنه مدح لزيد أن يقال عنه: إنه تلقى ذلك عنهما، كما يقولون أنهما تلقيا المذهب عن الحسن بن محمد بن الحنفية أو عن أبي هاشم، ثم مع ظنهم أن الاعتزال شيء عظيم نسبوا أئمتهم إلى الاعتزال ونسبوا الاعتزال أيضًا إلى أئمتهم، وأغرب من ذلك أنك تجد في كتاب المنية والأمل، وهو من كتبهم في الفرق يزعمون أن أول من قام بهذا المذهب الخلفاء الراشدون، حتى كادوا أن يجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم على مذهبهم، فجعلوا أبا بكر وعمر على مذهبهم، ثم بعد ذلك جعلوا عليًا على مذهبهم، ثم من بعده، فكأنهم يدعون أن مذهبهم هو الإسلام.

وهم ليسوا وحدهم في هذا، فقد قال المتكلمون: أول من بدأ الكلام عمر؛ لأنه ناقش السارق في القدر، فقالوا: إن عمر جيء بسارق فقال له عمر: لم سرقت؟ فقال: هذا قدر الله، فقال عمر: [سرقت بقدر الله، ونقطع يدك بقدر الله] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت