التي ذكر على أنها صحيحة، فكيف تكون صحيحة، و هي مبنية على التخمينات و الافتراضات من جهة، و مخالفة لحقائق التاريخ و الشرع من جهة أخرى؟!.
و ثانيا إن الحقيقة التي لم يرد جعيط الاعتراف بها هي أنه لا تُوجد أية تأثيرات كتابية في القرآن الكريم، و إنما يُوجد تشابه بين القرآن و التوراة و الإنجيل في أمور كثيرة، مع هيمنة القرآن عليهما هيمنة كاملة شاملة مقرونة بالإعجاز و التحدي. و هذا التشابه سببه وحدة المصدر الإلهي، و ليس كما زعم هشام جعيط الذي افترى على التاريخ و القرآن الكريم، و النبي-عليه الصلاة و السلام- بمزاعمه الخرافية. فبما أن الله تعالى هو منزل كل الكتب السماوية، و الدين عنده واحد هو الإسلام، لقوله تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) )-آل عمران: 19 - فمن البديهي و الطبيعي، و من الضروري أيضا أن يُوجد تشابه بين كل الكتب السماوية. لكن جعيطا لا يُريد و لا يُحب أن يعترف بهذه الحقيقة، لأنه لا يريد إتباع الحق، و إنما يريد أن يبقى على ضلاله و كفره بدين الإسلام. فهو حر في ذلك، لكنه لم يكن موضوعيا و لا علميا في ضلاله و كفره من جهة، و ليس له الحق في أن يفتري على التاريخ و دين الإسلام، لن العلم يأبى عليه ذلك، و الموضوعية تفرض عليه أن لا يُحرّف التاريخ و لا يختلقه، و لا يطمس الحقائق بالخرافات و الأوهام، و الأهواء و الظنون.
و ثالثا إن ما ادعاه في زعمه الثاني باطل كله، و مملوء بالأكاذيب و المغالطات و المبالغات. فمن ذلك إنه زعم أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان متشوّفا دوما للحوار مع النصارى حتى بعد البعثة، و هذا كلام باطل في معظمه، و فيه افتراء على رسول الله، الذي لم يكن يُحاور النصارى قبل النبوة أصلا. و لا يُوجد في السيرة النبوية دليل صحيح و لا ضعيف، و لا في القرآن أيضا بأن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يُحاور هؤلاء، لأنه-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، و لم يكن له اهتمام و لا معرفة بكتب اليهود و لا النصارى، لقوله تعالى: (( ما كنت تدري ما الكتاب ... ) )، و (( أن يلقى إليك وحيه ) )، و (( علمك ما لم تكن ) ). و في مقابل ذلك ليس عند جعيط دليل يُقدمه لتأييد زعمه إلا المزاعم و الظنون، و الأهواء و الخرافات.
و أما بعد البعثة فالرجل مُبالغ في زعمه جدا، فلا توجد في السيرة النبوية ما يدل على ذلك الحرص المزعوم على محاورة النصارى، فالنبي -عليه الصلاة و السلام- كان حريصا على تبليغ الدعوة إلى كل الناس، بما فيهم اليهود و النصارى، و كان يتألم كثيرا لعدم إيمان معظم الناس به في العهد المكي، لقوله تعالى: (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) )-الكهف: 6 - ، و (( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) )- فاطر: 8 - . و حتى إذا افترضنا أنه كان حريصا على محاورة النصارى، فهذا لا يقدح فيه أبدا، و لا يخدم مزاعم جعيط مطلقا، لأن عمله هذا هو جزء من مهمته لتبليغ الدعوة إلى أهل