الكتاب من جهة، ولعلمه أنه مذكور في كتبهم كان ينتظر منهم أن يكونوا أول الناس إيمانا به من جهة أخرى.
و من ذلك أيضا أنه ضمّن زعمه طائفة من المغالطات، من ذلك إنه زعم أن القرآن يشهد بأن الكفار وصفوا النبي بأنه مُعَلمٌٌ، ثم بنى على ذلك زعمه الباطل المتعلق بالتأثيرات الكتابية المزعومة. و هذا تغليط للقراء و تدليس عليهم، و افتراء على القرآن الكريم، لأن القرآن حكى ذلك القول عن الكفار و رد عليهم في قوله تعالى: (( ثم تولوا عنه و قالوا مُعَلّمٌ مجنون ) )-سورة الدخان/14 - ، و (( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )-النحل: 103 - ، و (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - ،و (( قل نزّله روح القدس من ربك بالحق ) )-سورة النحل/ 102 - . فالقرآن حكى باطلهم، لا على أن قولهم صحيح، لكن جعيطا غالط القراء فيما زعمه، و تناسى الآيات الأخرى التي تبطل زعمه صراحة.
و المغالطة الثانية مفادها إنه علّق على قوله تعالى: (( لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )-النحل: 103 - ، بقوله: (( إن القرآن لا ينفي هنا لا الاتصال بهذا الشخص، و لا بنهل المعرفة منه. و يكتفي بالإجابة على أن القرآن لا يمكن أن يكون أملاه هذا الرجل ) ).و قوله هذا زعم باطل، و فيه تغليط للقراء، لأن الآية تبدأ هكذا: (( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )-النحل: 103 - ، فهي تحكي ما تدعيه قريش، و ليس ما تدعيه أنه حقيقة بالضرورة، وأنه حدث في الواقع فعلا، و إنما هو مجرد دعوى من دعاويها، و محاولة منها لتفسير الظاهرة القرآنية، فالقرآن حكى زعمها، و ليس في الآية إثباتا للاتصال و لا للأخذ، مع أنها تتضمن نفيا لذلك أيضا.
و هذا الرجل مُغالط و مُدلّس، و يفتري على القرآن ليجد مدخلا ضيقا لُيقرر زعمه الخرافي بأن القرآن متأثر بالنصرانية، و ذلك أنه أدعى أن القرآن لا ينفي اتصال النبي بذلك الشخص، ولا الأخذ عنه، و انه -أي القرآن- اكتفى بالإجابة على أن هذا الرجل لا يمكن أن يكون هو الذي أملى القرآن في شكله الموجود. و هذا كذب على القرآن الذي نصّ في آيات كثيرة على أنه كلام تعالى أنزله على نبيه محمد-عليه الصلاة و السلام-،و هذا أمر معروف من القرآن بالضرورة. و الغريب في الأمر أن جعيطا ذكر زعمه الباطل، و تناسى أن الآية رقم:103 من سورة النحل التي ذكرها، تسبقها مباشره الآية رقم: 102، تنقض زعمه من أساسه، و هي قوله تعالى: (( قل نزّله روح القدس من ربك بالحق ليُثبت الذين آمنوا و هدى و بشرى للمسلمين ) )سورة النحل/102 - . فهذا الرجل يُخالف القرآن و يطعن فيه، و يكفر به من جهة، و في نفس الوقت يحتج به و يستخدمه بطريقته التأويلة التحريفية من جهة أخرى، ليُقرر به مزاعمه و خرافات. فالآية رقم: 103 أوّلها و حرّفها و احتج بها و كأنه يُؤمن بها، و الآية رقم: 102 التي تنقض زعمه أغفلها و تناساها