الصفحة 110 من 157

و القرآن الكريم لم ينف عن ذلك الرجل الأعجمي معرفته بكلمات مكسرات من اللغة العربية تمكنه من قضاء حوائجه، و إنما نفى عنه معرفته الصحيحة و العميقة باللسان العربي المُبين، لذا قال: (( و هذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )-النحل: 103 - .و بما أن العرب الأقحاح أنفسهم لم يتمكنوا من الإتيان بمثل القرآن، فمن باب أولى أن لا يقدر على ذلك من لا يعرف اللغة العربية. و هذا هو معنى قوله تعالى: (( و لقد نعلم أنهم يقولون ... لسان الذي ... ) ). علما بأن معرفة إنسان ما لكلمات دارجة كثيرة الاستعمال في مجمع ما، لا يعني هذا انه يعرف لغتهم الدارجة و الفصيحة معا.

و أما ما قاله عن وجود تشابه بين اللغتين السريانية و العربية، فالمر مبالغ فيه جدا، و ليس كما تصوّره جعيط و وجهه لتأييد خرافة تأثر القرآن بتراث أهل الكتاب. علما بأن وجود تشابه بين اللغتين في عدة عبارات، هو أمر طبيعي جدا، لأن اللغتين لهما أصل واحد ينتميان إليه، هو الأصل السامي. فوجود ذلك التشابه سببه وحدة الأصل، والتأثيرات الإنسانية التجارية و الفكرية بحكم القرب المكاني.

علما بأن وجود عبارات غير عربية في اللغة العربية، يعني أن العرب أخذوها عن غيرهم و عرّبوها و أصبحت جزءا من لغتهم. و بما أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإن استخدامه لتلك الألفاظ المعربة، لا يعني أنه استخدم لغة عربية، و لا يعني أيضا أنه متأثر باللغات غير العربية كالسريانية مثلا، و إنما يدل على أنه استخدم اللغة العربية كما كانت مُستخدمة عند أهلها. و هذا خلاف ما أراد أن يُوهمنا به هشام جعيط.

و أما ما قاله عن عبارتي: الصلاة و التسبيح، فلا يصح، لأنه على فرض صحة ما ذكره من وجود ذلك التشابه، فهو تشابه يعود أساسا إلى وحدة الأصل اللغوي، و لا يعود إلى تأثير اللغة السريانية في اللغة العربية، لأن عبارتي: الصلاة و التسبيح، واضح جدا أن أصلهما عربي، و قد ذكرت المعاجم العربية فعليهما على أنهما عربيان [1] . و لفظ الصلاة بالمفرد و الجمع قد ورد في الشعر الجاهلي قبل ظهور الإسلام. و قد كان أبو جهل-المُخضرم- يستخدم عبارة الصلاة و يعرف معناها، و كان يقول للنبي-عليه الصلاة و السلام-: ألم أنهك عن أن تُصلي يا محمد [2] .

و أما ما قال عن لفظ الجلالة: الله، فلا معنى له، لأن اسم الله لم يكن غريبا عن العرب عامة و قريش خاصة. فقد كان مُتداولا بينهم منذ زمن قديم، أيام عاد و ثمود، و إسماعيل-عليه السلام-، فهؤلاء قد عرّفهم أنبياؤهم بالله تعالى، و كانوا يُؤمنون بأن الله هو الذي خلق العالم، لقوله تعالى: (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) )-

(1) أ نظر مثلا: الخطابي: غريب الحديث، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، 1402، ج 1 ص: 685. و الرازي: مختار الصحاح، دار الهدى، الجزائر، ص: 188، 239. و النووي: تحرير ألفاظ التنبيه، الطبعة الأولى، دار القلم - دمشق، 1408 ج 1 ص: 66. و أبو نعيم البعلي الحنبلي: المطلع على أبواب الفقه، المكتب الإسلامي - بيروت، 1401 - 1981 ص: 76

(2) أنظر: الموسوعة الشعرية، الإصدار الأول، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإمارات العربية. و الألباني: صحيح السيرة، ص: 144. و الحاكم: المسيدرك، ج 2 ص: 530.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت