إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) -إبراهيم: 4 - ، فكما أن القرآن يتميز عن التوراة و الأناجيل بلغته العربية التي نزل بها، كذلك تلك الكتب تميزت عنه بأن الله تعالى أنزلها بلغة بني إسرائيل التي كانوا يتكلمون بها.
و بذلك يتبين أن ما قاله الجابري هو زعم باطل، و مجازفة لا مبرر علمي لها، و هو طعن في القرآن الكريم، و تقزيم له، لأنه سواه بالباطل بلا دليل صحيح، متأثرا بالمستشرقين و تلامذتهم الذين زعموا أن القرآن مأخوذ من التوراة و الأناجيل، و لا فرق بينه و بينها [1] . لذا فلا أدري هل الجابري كان يعي ما يقول عندما قال بذلك الزعم الباطل، أم أنه زلة لسان، أم أنه تعمد قوله عن وعي و سبق إصرار و ترصد؟!.
و أما بالنسبة للمجال الثاني، فهو يتعلق بتقزيم الجابري لمكانة المعجزة القرآنية و الحط من قيمتها و أهميتها. و قد تمثل ذلك في الأمثلة الآتية:
أولها إن الجابري قال: إنه ركّز على تحرير (( المعجزة المحمدية من المعنى العامي الساذج لمفهوم النبي الأمي ) )، لأن عدم القراءة و الكتابة ليستا شرطا في النبوة التي تقوم على الوحي لا على قراءة الكتب. و هما-أي القراءة و الكتابة- ليستا علامة على المعجزة، و انه لا (( يليق بنا أن نتصور أن من كمالات الإنسان الذي يختاره الله للنبوة أن يكون لا يعرف القراءة و الكتابة ) ) [2] .
و قوله هذا لا يصح، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا قد سبق أن ناقشنا الجابري في زعمه بأن النبي- عليه الصلاة و السلام- كان لا يعرف القراءة و الكتابة، و بينا بطلانه بالأدلة و الشواهد الصحيحة الدامغة الكثيرة و المتنوعة، و من ثم فلا معنى لزعمه بأنه يسعى لتحرير المعجزة المحمدية من القول بأن صاحبها كان لا يقرأ و لا يكتب، لأن سعيه هذا لن يتحقق لأنه بناه على أمر باطل.
و لماذا الجابري يسعى إلى تحقيق ذلك الزعم؟، و لماذا هو منزعج من كون رسول الله كان لا يقرأ و لا يكتب؟!. و هل القول بأنه كان لا يقرأ و لا يكتب يضر معجزة القرآن، أم أنه لا يُعجب الجابري و يضره؟. و بما أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان فعلا و حقا لا يقرأ و لا يكتب، فلماذا هذا السعي و الإصرار على نفي ذلك و تحريف الحقيقة التاريخية؟!. و أليس القول بأن معجزة القرآن جاء بها نبي لا يعرف القراءة و الكتابة أحسن و أقوى في الإعجاز و التأثير، و أقطع للشبهات و التخمينات و الظنون من القول بأن الذي جاء بها كان يعرف القراءة و الكتابة؟ لا شك أن القول الأول بأنه كان لا يقرأ و لا يكتب هو الحسن و الأفضل من القول الثاني الذي يُقلل من قوة المعجزة القرآنية و تأثيرها، و يُعطي المبرر العقلي السهل للمنكرين و المشككين بأن يطعنوا في نبوة النبي و معجزته، و يسهل عليهم توجيه التهم إليه، و إيجاد تفسيرات بشرية لنبوته و معجزته، و
(1) أنظر مثلا: محمد أركون: الفكر الأصولي، ص: 22، 83، 105.
(2) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 80، 85، 92، 427.