تبرير موقفهم منه، بدعوى أن الرجل كان عالما واسع الإطلاع على المذاهب و الأديان.
فلماذا الجابري مصر على الأخذ بالقول الثاني؟!، مع أنه قول مخالف للشرع و الحقيقة التاريخية، و يُنقص من قيمة المعجزة القرآنية و مكانتها، و يعطي المبرر السهل للطعن في المعجزة القرآنية. و أليس هذا من مظاهر تقزيم الجابري لتلك المعجزة؟.
و ثانيا إن قول الجابري بأنه ليس من شرط النبوة أن يكون النبي لا يعرف القراءة و الكتابة، فيمكن عكسه بقولنا: ليس من شرط النبوة أن يكون النبي يعرف القراءة و الكتابة،. و من ثم فإن اعتراضه يسقط و يفقد حجيته النظرية. لأن الله تعالى هو الذي يختار النبي، و أعلم أين يجعل رسالته، فإذا جعلها في من لا يعرف القراءة و الكتابة كان فعله هذا صوابا حكيما، و إذا جعلها في من يقرأ و يكتب و له علم واسع، كان فعله هذا صوابا حكيما أيضا، لأن الله تعالى -في الحالتين- جعل رسالته في المكان المناسب. و من ثم فإن اعتراض الجابري يسقط، و لا يصح، و لا مبرر له.
و أما قوله بأن النبوة قائمة على الوحي و ليس على قراءة الكتب، فهذا تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأن الوحي يقوم أساسا على المعجزة، لذا كان كل نبي يُعطيه الله تعالى معجزة ليُثبت بها صدق نبوته، و إلا أصبح كل إنسان يستطيع أن يدعي النبوة، بدعوى أن الله أرسله و أنزل عليه الوحي، و الدعوى -كما هو معروف- لا يعجز عنها أحد. لذا كان لابد لنبوة محمد-عليه الصلاة و السلام- من معجزة تِؤيده، فأعطاه الله تعالى معجزة علمية، جاء بها رجل لا يعرف القراءة و لا الكتابة. فكان هذا أقوى في الإعجاز و التأثير، و إقامة الحجة و قطع شبهات المنكرين المتكبرين، و هذا خلاف ما أراد الجابري أن يُوهمنا به في زعمه السابق. و الدليل على صدق ما قلته، هو أنه قد صحّ أن النبي-صلى الله عليه و سلم- قال: (( ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، و إنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة ) ) [1] ... .
و أما قوله بأنه لا يليق بنا أن نتصوّر بأن من كمالات النبي المرسول أنه لا يقرا و لا يكتب. فهذا من مغالطاته، لأنه ليس شرطا أيضا أن من كمالات النبي المُرسل أن يكون يعرف القراءة و الكتابة. و عدم معرفة النبي للقراءة و الكتابة ليس نقصا و لا عيبا، و لا حطا من قيمته، و إنما ذلك من كمالاته و خصائصه المميزة له. لأنه من العادي جدا أن يأتي عالم ما بنظرية علمية، لكن ليس من العادي أن يأتي إنسان لا يعرف القراءة و الكتابة بمعجزة علمية يتحدى بها الإنس و الجن معا، فهذا أمر من الخوارق، من يأتي به فهو أكمل من كل أهل العلم على الإطلاق، لأنه جاء بما لم يأتي به مخلوق في العالم، و هذا لا يتأتى إلا لنبي. و هذا هو حال
(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 2654.