الصفحة 89 من 157

النبي محمد-عليه الصلاة و السلام-، فكانت عدم معرفته للقراءة و الكتابة كمالا و إعجازا، و لم تكن نقصا كما كانت في غيره نقصا.

و أما زعمه بأن عدم معرفة القراءة و الكتابة ليس علامة على المعجزة، فهذا تغليط منه، لأن المعجزة التي نتكلم عنها هي معجزة القرآن الكريم، و لسنا نتكلم عن إبداعات العباقرة في الشعر و الخُطب، و الشعر و الموسيقى ... إلخ، فهذه الإبداعات قد توصف بالعبقرية و التفرد و الإعجاز، لكنه وصف مجازي، أُريد به المبالغة في التعظيم و التقييم، و إلا فإن الحقيقة هي أن أي عمل بشري مهما كان عظيما مُبدعا، فإنه عمل إنساني محكوم بزمانه و ظروفه، و لا إعجاز فيه و لا تحدٍ، لأنه يمكن الإتيان بمثله، أو بأحسن منه، أو بالقريب منه، في الزمن الذي ظهر فيه، أو في الزمن الذي يأتي بعده. علما بأن هذا الإبداع يخص جانبا من جوانب المعرفة البشرية و إبداعاتها، و لا يشمل كل جوانبها من جهة، و لا يخلو من الخطأ و السلبيات و النقائص من جهة أخرى.

لكن معجزة القرآن تختلف عن ذلك تماما، إنها معجزة عامة تشمل كل مجلات العلوم، و قد جاء بها نبي لا يقرأ و لا يكتب، و تحدى بها الإنس و الجن معا، بأن يأتوا بمثله منذ نحو 15 قرنا، و ما يزال التحدي مستمرا و قائما على يمنا هذا. و نحن نرى كتبا كثيرة يٌدسها أصحابها ككتب الهنود و اليهود و النصارى، لكنها ليست في مكانة القرآن، فلا إعجاز فيها، ولا تحد، مع كثرة الخرافات و المستحيلات و الأخطاء العلمية و التاريخية [1] . لكن القرآن الكريم لا يُوجد في العالم كتاب يُماثله، و لا يقترب منه، و لا يتفوّق عليه. أليس هذا علامة على المعجزة، و من مظاهرها أن الذي جاء بها كان لا يعرف القراءة و الكتابة؟. فلماذا الجابري يُغالط و يُدلّس؟!.

و أما المثال الثاني -من أمثلة تقزيم الجابري للقرآن- فمفاده أنه زعم أن علماء الإسلام قالوا بإن الرسول-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، لتأكيد الطابع المعجز للقرآن، لأنه تحدى قريشا، و الذين يعرفون القراءة و الكتابة لم يقدروا على الإتيان بمثله، مما يدل على أن القرآن وحي من عند الله. لكن الجابري يرى أن هذا النوع من الاحتجاج كان صالحا في زمن كالعصور الوسطى عندما كان التعليم ناقصا و امتيازا، و قد يُوظفه بعضهم لأغراض يُريدها. لكن الوضع تغير في زماننا بتعميم التعليم و المعرفة، فأصبح الناس لا يُعطون المعرفة بالقراءة و الكتابة كل تلك الأهمية. ثم تعجّب الجابري من كيف تكون عدم المعرفة بالقراءة و الكتابة دليلا على المعجزة القرآنية [2] ؟!.

و قوله هذا زعم لا يصح، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا ليس علماء الإسلام هم الذين أبدعوا القول بذلك الاستدلال، و إنما القرآن نفسه هو الذي استخدمه و نصّ عليه، و عنه أخذه هؤلاء العلماء، فقال تعالى: (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - ،و

(1) سبق أن ذكرنا طرفا من ذلك فيما يتعلق بالتوراة و الأناجيل.

(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 94، 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت