المتواضع ينقاد للحق مع من كان ولا يبالي بترك قول كان يقوله وينصره إذا اتضح له الصواب، والمتكبر يتعصب لأقواله وأفعاله ويعجب بقوله ومقاله، يبين له الحق فيشمخ بأنفه متكبرًا عنه عجبًا بنفسه وتيهًا - وبهذا الخُلق نزل إلى أسفل الدركات- المتواضع يسلم على الصغير والكبير، والشريف والوضيع.
ويقبل بوجهه وقوله على من تصدى له حتى يقضي حاجته، ويعاشر كل أحد أكمل معاشرة، والمتكبر لا يسلم ولا يقبل بوجهه على الفقير والحقير وينأى بجانبه عن مجالستهم، ولا يهتم بشأنهم، وإنما يتصدى ويعظم الرؤساء والكبراء خاضعًا لهم بقلبه، معظمًا لهم بلسانه، وهذا أكبر برهان معبر عن رذيلته، ما أقل حظ المتكبرين، وما أعظم خسرانهم المبين، خسروا بتكبرهم الإيمان والأخلاق الجميلة، وخسروا ما أَعده الله للمتواضعين من الثواب وحصلوا على الوبال والعقاب، خسروا محبة الخلق على اختلاف طبقاتهم، فالناس جبلوا على محبة المتواضعين ومقت المتكبرين؛ ومن أظهر من الناس تعظيمهم ومحبتهم، فذلك زور ونفاق يذهب سريعًا.
ويح المتكبرين ما أعظم حمقهم وما أضلهم وأجهلهم، بأي وصف يتكبرون، وبأي عمل يتجبرون، من علم أنه مخلوق فقير ناقص من كل وجه فبأي شيء يتكبر، ومن فهم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو بين ذلك يحمل العذرة، فبأي شيء يعجب ويفتخر، تالله إن الفخر كل الفخر بالتواضع لله ولعباد الله.
ما وصل للمنازل العالية إلا بالتواضع، ولا أدركت الأخلاق