تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [1] .
فأمر في هذه الآيات بالتواضع وذكر صفات المتواضعين وهم الذين يريدون وجه الله المخلصون لله المتضرعون لربهم في الغداة والعشي الذين يمشون على الأرض هونًا ويخالقون الناس بخلق حسن، ولا يأنفون من أحد ولا يتعاظمون على أحد، ونهى عن التكبر وذكر صفات المتكبرين أنهم الذين غفلت قلوبهم عن الله واتبعوا أهواءهم وانفرطت عليهم أمورهم وخسروا دينهم ودنياهم، وأنهم من تكبرهم يمشون في الأرض مرحًا وبطرًا ويُصَعِّرون خدودهم على عباد الله ويختالون في قلوبهم وأفعالهم ويفتخرون بأقوالهم، فما أبعد الفرق بين الفريقين، وما أشد التفاوت بين الطائفتين في مقاصدهم وأقوالهم وأفعالهم وصفاتهم.
من تواضع لله ولعباد الله كانت جميع اجتماعاته بالناس على اختلاف درجاتهم مغنمًا يكسب بها الخيرات والمثوبة من الله، فإنه يلاقي الناس ويخاطبهم ويجتمع بهم ويعاشرهم بهذه النية الصالحة الفاضلة، وبالكلام اللين الطيب للغني والفقير، والشريف والوضيع، لا يرى لنفسه عليهم فضلًا، ويوطن نفسه على ما استطاع من نفع من اجتمع به؛ فهذه النية وهذا العمل وهذه المعاشرة من هذا المتواضع جميعه قربة يتقرب بها إلى الله ثم يترتب على ذلك محبة الناس وكثرة ثنائهم وأدعيتهم له، وهذا أفضل ما اكتسبه المكتسبون ونافس فيه المتنافسون، وكل من سمع بأخلاقه
(1) سورة الكهف: آية 28.