وفي هذه الحلقة , سآتي على شخص ملأ الدنيا وشغل الناس , وما زال الى يوم الناس هذا مثار ضجة.
ومثار حديث طويل في المجالس , ألا وهو ابن حزم الظاهري. (يظهر تمثال له على الشاشة) .
هو علي ابن احمد ابن سعيد , جده الأكبر الأول كان مولن ابن يزيد ابن أبا سفيان , رحمه الله تعالى.
ولد في قرطبة سنة ست وثمانين وثلاثمائة , ونشأ بها كما ينشأ أبناء الكبار والأعيان.
لأن أباه كان وزيرا في عهد الدولة العامرية , المنصور ابن أبي عامر , فنشأ في ترف ودعا ونشأ في قصر.
وهو أيضا وزر في شبابه , وزر مدة صغيرة في شبابه , وتفرغ في صدر شبابه للأدب والشعر والعربية وتعلم ودرس واشتهد في هذا الباب.
صار شاعرا مطبوعا جميل الشعر لذيذه , حسن النثر رحمه الله تعالى.
حصلت حادثة في حياته غيرت مجرى حياته , وجعلته يفكر في الفقه والعلم الشرعي.
دخل الى مشهد الجنازة , فجلس فقال له أحد الأشخاص قم فصلي ركعتي تحية المسجد , فقام.
فلما شاهد الجنازة وعاد الى المسجد كان الوقت وقت ناهي , فقام يصلي ركعتين , فقال له أجلس اجلس , ليس ذا وقت صلاة.
فتألم وحزن لحاله , وكان عمره آنذاك ست وعشرين سنة , فأقبل على مؤدبه وطلب منه الفقيه ابن دحون المالكي , فدله عليه وذهب حكا له القصة وما جرى عليه فدله على موطأ مالك وشروح موطأ مالك كالعادة في الأندلس.
وأقبل على الموطأ وشروحه وعلى العلوم ثلاث سنوات , بهمة عالية ودأب واشتهاد حتى بدأ نجمه يبزغ وبدأ الفقه عنده يرسخ.
ثم حبب إليه مذهب الإمام الشافعي , فدرس المذهب الشافعي رحمه الله تعالى حتى اعد واحدا من الشافعين في الأندلس.
ثم بدا له أن يستقل , وأن لا يتبع الا الكتاب والسنة وأن يستقل عن المذاهب جميعا.
وقال بقولا عجيب وهو نفي القياس تماما , هذا القول جر عليه في مذهبه مسائل عجيبة.
وكانت مضحكة فمثال , الظاهرية يقولون ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن البول في الماء الراكد الذي لا يجري لأنه يفسد.
والإنسان يأتي يريد أن يغتسل من الماء يتوضأ , البول فيه يفسده وينجسه.
فمذهب الظاهري أن الإنسان إذا بال في وعاء وصبه في هذا الماء , لا شيء فيه.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول فيه مباشرة , انظروا كم هي مضحكة.
وقالوا ان الفتاة إذا خطبت , فان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذنها صماتها.
فلو تكلمت بطل العقد , وهذا من العجائب لأن بالعكس لو تكلمت كان ذلك أقوى في رسوخ العقد.
وإنما النبي صلى الله عليه وآله وسلم , راعى حياء الفتاة , فمسائل مثل هذه مسائل عجيبة وشاذة وغريبة.
لكن هذا الرجل كان صاحب علم واسع في الحقيقة , نعم عنده هذه المسائل , لكن المسائل هذه تطعن في مذهبه ولا شك مذهب الظاهرية عموما , لكنها كانت مسائل معدودة.
التي يضحك منها العلماء ويتعجبون منها , ابن حزم كان صاحب لسان ماض. (تظهر صورة لتمثال ابن حزم)
فكانوا يقولون عن لسانه , لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان , أي في الشدة والقطع والقوة.
وهذا الذي جلب عليه مآسي ليس بعدها مآسي , والسبب أنه كان يصدع بما يراه حقا.