وهذا عدد ضخم بالنسبة لبعد الأندلس , يعني لو اجتمع في القاهرة , في دمشق , في بغداد , ممكن.
لكن في الأندلس , مكان بعيد جدا , ان يجتمع لديه في مكتبته مائتا ألف كتاب , فهذا شيء عجيب.
لأن في المشرق كان هناك مكتبات أكبر , فيها أكثر من مائتي ألف كتاب , وهذه كانت من علامات البارزة للحضارة الإسلامية.
آنذاك في الأندلس , في بلاد أوربا آنذاك , زمن المستنصر , يندر أن تجد مكتبة فيها ألف كتاب أصلا.
يندر , ما تجد , فما بالكم بمائتي ألف كتاب , فبنو عمار في طرابلس كانت مكتبته فيها ستمائة ألف كتاب.
العبيديون في القاهرة كانت مكتبتهم فيها مليون ألف كتاب , لكن هذه دمشق والقاهرة وطرابلس , حواضر الإسلام , في منتصف بلاد الإسلام.
وتأتيها الكتب من كل مكان , أما الأندلس فبعيدة جدا , هل كان يكتفي بهذا؟
لا , كان يعلم , يقولون الرواة عنه , قل كتاب من مكتبته الا وله فيه عليم.
لأننا اليوم نحن , نحن نجمع كتب ونضعهم في المكتبة , وتمر السنوات , ربما يموت الإنسان , ما فتح أكثر الكتب.
لكنه يفتح الكتاب , يعلم عليه , يعلم على الكتاب , يكتب اسمه , اسم المؤلف أعني.
ونسبه , اسمه , اسم أبيه واسم جده ومن أي بلاد هو , يكتب فوائد على الكتاب , حتى أن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى , كان يقول , كان يغرب ويفيد , ويقول ويسطر من الفوائد في الكتب , ما لا تكاد توجد.
رجل عالم , حتى أنه كان يصفه بالعلم في الأخبار والأنساب والرجال وعلوم التاريخ , يقول كان عالما أخباريا.
والأخباري , هو الذي عنده الأخبار , ويحدث بالتاريخ ويفهم بالتاريخ ويعلم التاريخ ويعرفه جيدا.
وهذه كانت يعني من أهم أوجه الحضارة في الأندلس , كثرة الكتب , وكثرة العلماء.
ليس فقط علماء الشريعة , وليست كتب الشريعة فقط , بل كتب الشريعة وغير الشريعة , مكتبته كانت تحوي من كل علم ومن كل فن.
حتى الكتب الجدية والكتب السيئة أيضا , كانت تحويها مكتبته , أين ذهبت هذه الكتب أيها الأخوة والأخوات؟
أحرقت للأسف الشديد , أحرقت هذه الكتب , المستشرقون يتهمون عمر ابن العاص رضي الله عنه , لما دخل الإسكندرية أنه أحرق مكتبتها.
وهذا خبر باطل كاذب لا قيمة له في التاريخ , لا قيمة تاريخية لهذا الخبر , بينما المتواتر عنه , أنهم كانوا إذا دخلوا بلد من بلاد المسلمين في الأندلس , جمعوا الكتب في ساحة , وأحرقوها علانية.
فهم الذين كانوا الهمج المتوحشين الذين كانوا يحرقون الكتب , وكانوا أمين ولا يفهمون ولا يعرفون.
فانظروا لهذه الكتب أين ذهبت , مئات الآلاف من الكتب أين ذهبت , عدم أكثرها وحرق ولم ينجوا منها الا القليل.
يعني هذه أحوال للأسف , أحوال الكتب في الأندلس بعد ذلك.
ويقول المؤرخون عن المستنصر بالله هذا , لم تكن لديه لذة , الا في قراءة الكتب والجلوس في الخزانة.
هذه لذته كانت , سبحان الله العظيم , ما كان يعرف من لذات الملوك الا هذه , أو ما كان يثر من لذات الملوك الا هذه.
يقول لا لذة لي في غيرها , ولا همة لي في غيرها , سبحان الله العظيم.
وطبعا في ذلك الزمان , كانت أوربا تغرق في الظلام , لأن هذا كلام من ألف سنة , يعني قبل بداية عصر النهضة بأكثر من خمسة قرون.