الصفحة 12 من 77

المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب إرشاد العباد إلى غاية الكمال في المعاد، ولا يكون إلاّ بسلوك الصراط المستقيم، ومدار سورة الفاتحة على بيان ذلك أتّم بيان، والدعوة إلى التحقّق به وسلوك سَبيله [1] .

ويقول الإمام فخر الدين الرازي:"ويمكن أن يقال بأنّ هذه السورة ليس فيها إلاّ تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين، فابتداؤها بيان الرسالة بقوله: {إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (3) } ودليلها ما قدّمه عليها بقوله: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) } وما أخّره عنها بقوله: {لِتُنذِرَ قَوْمًا} وانتهاؤها بيان الوحدانيّة والحشر بقوله: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} إشارة إلى التوحيد، وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } إشارة إلى الحشر، وليس في هذه السورة إلاّ هذه الأصول الثلاثة ودلائلها وثوابها، ومن حصّل من القرآن هذا القدر فقد حصّل نصيب قلبه، وهو التصديق الذي بالجنان .. فلمّا لم يكن فيها إلاّ أعمال القلب لا غير سمّاها قلبًا، ولهذا ورد في الأخبار أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ندب إلى تلقين:"يس"لمن دنا منه الموت، وقراءتها عند رأسه، لأنّ في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوّة، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية، لكنّ القلب يكون قد أقبل على الله، ورجع عن كلّ ما سواه، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوّة قلبه، ويشتدّ تصديقه بالأصول الثلاثة، وهي شفاء له، وأسرار كلام الله تعالى، وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعلمها إلاّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكرناه ظنّ لا نقطع به، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين" [2] .

(1) ـ انظر تفسير الألوسي 8/ 209/.

(2) ـ ينظر تفسير الفخر الرازي 26/ 113/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت