الصفحة 14 من 77

المبحث الثالث

طبيعة السورة وموضوعها العامّ وأفكارها الرئيسة

يغلب على سورة"يس"إظهار عزّة الحقّ جلّ وعلا وهيمنته وجبروته، لأنّها تتوجّه إلى الكافرين المعاندين لتقرير حقائق الدين الكبرى: الإيمان بنبوّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، وأنّ القرآن هو من عند الله، وتقرير البعث والجزاء، والتحذير من عاقبة الكفر والطغيان، وما جاء فيها من وصف نعيم المؤمنين في الجنّة إنّما جاء عرضًا، لضرورة قرن الترهيب بالترغيب، الذي هو منهج قرآنيّ يكاد يكون مطّردًا، لتزداد صورة الهول والعذاب على الكافرين، عندما يسمعون ما ينال المؤمنين من التكريم، ولعلّ ذلك ممّا يثير مشاعر المنافسة لديهم لنيل ما نال المؤمنون المكرمون.

وفي سورة"يس"رفع لقدر النبيّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وتخفيف من شدّة معاناته من تكذيب المشركين، وإنكارِهم للبعث بعْد الموت، وعنادهم للحقّ .. فهم في واقع الأمْر وحقيقته لا يكذّبونَه، ولكنّهمْ يَستهينون بالله جلّ وعلا، ويعرّضون أنفسهم لغضبه وعقابه، كما قال الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (33) } الأنعام. ولذا فقد تكرّر في السورة تنزيهُ الله تعالى، صرَاحةً في وسطها: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا، مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنفُسِهِمْ، وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) } وفي آخرها: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } وضمنًا في مناسبات عديْدة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت