ثمّ إنّ في كلّ سُورة مِن القُرآن موضُوعًا عامًّا ومقَاصد رئيسة، ثمّ تأتي موضُوعات متفرّعة تتخلَّل مسيرة الموضوع العامّ والمقَاصد الرئيسة، وتنتقلُ خلالَها، حتّى يبلغَ الموضوعُ الخاتمَةَ التي تَتوثّق بالمُقدّمة وتمهّد للاختتام بهَا.
وقبل الحديث عن موْضوع هذا المبحث نشير إلى ملاحظة مهمّة: لقد تناولت سورة"يَس"موضوعها بأسلوب القسم بالْقُرْآنِ الذي هو أحد الأصول الإيمانيّة الثلاثة التي تتحدّث عنها السورة، وكان هذا القسم على الأصل الثاني وهو الإيمان بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو نوع من القسم والمقسم به فريد في القرآن العظيم.
ووَصَفَ الله القرآن بالحكيم، وهو وصف معجزٌ دقيق غاية الدقّة، إذ إنّه يقدّم مع الدليل دليله، ومع البرهان حجّته وبرهانه .. إذ الحكمة صفة العاقل، والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة، وهي من مقتضيات أن يكون حكيمًا، ومع أنّ هذا مجاز إلاّ أنّه يُصوّر حقيقة هذا القرآن ويقرّبها ..
إنّ القرآن حكيم يخاطب كلّ أحد بما يدخل في طوقه، ويضرب على الوتر الحسّاس في قلبه، ويخاطبه بقدر، وبالحكمة التي تصلحه وتوجّهه .. والقرآن حكيم يربّي بحكمة، وفق منهج عقليّ ونفسيّ مستقيم، منهج يطلق طاقات البشر كلّها مع توجيهها الوجه الصالح القويم، ويقرّر للحياة نظامًا، يسمح بكلّ نشاط بشريّ في حدود ذلك المنهج الحكيم وضوابطه.
ويتبيّن لنا ممّا سلف أنّ موضوع السورة العامّ هو:"إثبات الرسالة ودليلِها، وتقديمُ براهين البعث بعد الموت وبعض بيّناته"، وهي الأصول الثلاثة من أصول الإيمان وأركانه التي تتحدّث عنها السورة. فكيف تناولت هذه السورة موضوعها؟ وكيف دلّلت عليه؟