فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 86

وملخص هذا الرأي أن الكتابة العربية اشتقت من الخط المسند الحميري الذي يعرف أيضًا بالخط العربي الجنوبي، وأن هذا الخط وصل إلى موطن المناذرة وبلاد الشام عن طريق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين الجزيرة العربية وشمالها، ثم انتقل عن طريق الحجاز إلى بقية الجزيرة العربية (12) .

وهذا الرأي ضعيف كسابقه ومن عدة وجوه أهمها:

1.إننا نلحظ أثر الصنعة والاختراع في الأسماء. فهي موزونة ومقفاة ـ مرة ـ سدرة ـ جذرة ـ، وهذا يدل على أنها قد وضعت وضعًا، وليست من نتيجة المصادفة والاتفاق.

2.هذه الرواية تقول: بأن ابن جدرة هو الذي وضع الإعجام، أي أن الخط العربي في نشأته كان يكتب بالتنقيط. وهذا يخالف الواقع، لأن الخط العربي في نشأته كان يكتب من غير تنقيط كما يظهر من النقوش العربية القديمة مثل نقش زبد و حران.

3.أن الخط العربي لم يقتطع من المسند الحميري كما تقول الرواية، وليس هناك أي علاقة بينهما سوى أنهما قد اشتقا من أصل سامي واحد (13) .

أما تسمية العرب خطها بالجزم، لأنه جزم واقتطع من المسند الحميري، فليس بصحيح. والمصادر تقرر أن خط الجزم خط إسلامي نشأ بعد تأسيس الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، فهو ليس خطًا جاهليًّا (14) .

وبتتبع المراحل المختلفة ومن خلال النقوش التي اكتشفت حتى الآن لتطور الكتابة العربية الشمالية التي تنتمي إليها الكتابة العربية اليوم أضعف هذا الرأي (15) .

إضافةً إلى أن أهل اليمن كانوا يكتبون بالمسند، والمسند بعيد عن هذا القلم الذي يسميه أهل الأخبار: القلم العربي أو الكتاب العربي بعدًا كبيرًا. وقد بقوا يكتبون بقلمهم هذا زمنًا في صدر الإسلام (16) .

يضاف إلى كل ما سبق أننا لا نستطيع أن نقول إن هؤلاء هم أول الذين كتبوا، أو أول الذين وضعوا الكتابة العربية فعلًا وذلك: لأنه أمر ينفيه ما تم اكتشافه من نقوش عربية تعود إلى وقت سابق على الوقت الذي يُقَدَّر أنهم عاشوا فيه، وهو نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس الميلادي في أماكن بعيدة عن الأنبار والعراق، كذلك فإن وضع الخطوط واختراعها عمل ليس من اليسير نسبته إلى أفراد بأعيانهم (17) .

ولعل في الانتشار الواسع لاستخدام المسند - في الجزيرة العربية وغيرها - وما تخلف عنه في أذهان الناس، ما يفسر لنا ما ذهبت إليه المصادر العربية من الاعتقاد بأن الخط العربي متطور عنه، لكن المقارنة بين كلا الخطين وما يمتاز به كل واحد منهما تنفي ذلك الاعتقاد (18) .

ولكن مع ما ذكرنا لا يستبعد أن يكون لهؤلاء الأشخاص المذكورين يدٌ ما في تطوير الخط والكتابة العربية، بأن ساهموا بطريقة ما في تطوير تلك الكتابة، فقاموا مثلًا بتعديل الحروف المتداولة آنذاك، ذات الأصل النبطي حتى تبدو في شكلها الحالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت