فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 86

يقول دراز: >روعي في تسمية ـ القرآن ـ قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام ... وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، والمنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر< (3) .

وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور، لأن الكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ ... وسمي هذا الوحي بالكتاب وبالقرآن لامتياز الوحي المحمدي في مراحله كلها بهذه العناية المزدوجة في صيانة نصوصه وحفظ تعاليمه منقوشة في السطور، مجموعة من الصدور (4) .

ومعلوم أن الجمع في لغة العرب يطلق ويراد من بين دلالته الحفظ والاستظهار في الصدور. وقد يطلق ويراد منه الكتابة والتسجيل في الكتب. فكلمة جمع القرآن تطلق تارةً ويراد منها حفظه واستظهاره في الصدور. وتطلق تارةً أخرى ويراد منها كتابته كله حروفًا وكلمات وآيات وسورًا. هذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور (5) .

وقال الزركشي: >فإن معاني جمع القرآن تتلخص في أربعة: الحفظ في الصدور ـ الكتابة في الصحف المتفرقة ـ الترتيب للآيات والسور ـ الجمع في مصحف واحد (6) .

وكتابة القرآن في الصحف والسطور مرت بثلاثة أطوار وهي:

كتابته في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو ما سيدور البحث حوله ـ. وكتابته في عصر أبي بكر رضي اللّه عنه. وكتابته في عصر عثمان رضي اللّه عنه (1) .

لذا يود الباحث أن يشير إلى الوسيلة الثانية التي تم بها حفظ القرآن الكريم من التحريف أو التبديل أو الضياع أو الفقدان وهي الجمع الكتابي. والدراسة هذه مخصصة في أخذ مرحلة زمنية محدودة، وهي كتابة النص القرآني في العهد المكي فقط، لأن كتابة القرآن في المدينة أصبحت من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى الدراسة والبحث، نظرًا للأدلة الصريحة التي وردت في ذلك، ولكثرة ما كتب فيه. ويحبذ الباحث قبل الدخول في الموضوع أن يشير وبإيجاز شديد إلى الوسيلة الأولى لحفظ القرآن ألا وهي الجمع الحفظي، التي اعتاد الباحثون المسلمون على تسميتها بالوسيلة الأولى والأساسية في حفظ القرآن الكريم من التحريف. ويناقض أكثر الذين يذهبون هذا المذهب أنفسهم عند الحديث عن جمع أبي بكر للقرآن الكريم بأنه لم يقبل إلا ما توافر فيه الحفظ والكتابة معًا فلو كانت الكتابة وسيلة ثانوية لما اشترط لقبول قرآنية القرآن توفر الحفظ والكتابة، أو الشاهدين يشهدان على أن المكتوب كتب بين يدي النبي!، وعليه فالأولى أن يقال إن الحفظ والكتابة كانتا وسيلتين أساسيتين في حفظ القرآن الكريم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي والقرآن كله مجموع في الصدوروالسطور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت