فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 86

والاحتكاك المباشر. وأيضًا عن طريق تسرب عناصر منها مع القوافل التجارية النشطة التي كانت تجوب أرجاءها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ثم عن طريق محاولات التغلغل السياسي والديني والتي كانت تأتي من ناحية الفرس في الشرق، والروم في الشمال، والأحباش في الجنوب< (2) .

المبحث الثالث: مجالات استخدام الكتابة عند العرب

لا يخفى على أي دارس لتاريخ مكة باعتبارها مركزًا دينيًّا وتجاريًّا مزدهرًا، أن الكتابة كانت لازمةً وضروريةً ولا سيما لأمور التجارة، التي كانت تعتبر قوام الحياة في مكة وفي بلاد الشام. فكان أهل مكة والعرب بصورة عامة يستخدمون الكتابة لأغراض عدة منها:

كان من عادة العرب في الجاهلية كتابة الأحلاف والمواثيق والعهود وتعليقها في الكعبة. يقول الجاحظ: >لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والصكاك، وكل أمان، وكل عهد وعقد، وكل جوار وحلف، ولتعظيم ذلك، والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة، تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلزة، في شأن بكر وتغلب:

واذكروا حلف ذي المجاز وما قـ ... ـــــــــدَّم فيه العهود والكفلاء

حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ... قص ما في المهارق الأهواء

والمهارق (1) ، ليس يراد بها الصحف والكتب، ولا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان< (2) .

ومن الأحلاف التي كتبت وعلقت في الكعبة: >حلف خزاعة بين عبد المطلب بن هشام جد النبي صلى الله عليه وسلم ورجال من خزاعة، وكتب لهم الحلف، أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعلقوا الكتاب في الكعبة< (1) . وقد جاء خزاعة رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، بكتاب جده فقرأه عليه أبيُّ بن كعب. وهو: >باسمك اللّهم، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي منهم، غائبهم يقر بما قضى عليه شاهدهم. إن بيننا وبينكم عهود اللّه وعقوده وما لا ينسى أبدًا. اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرق ثبير، وثبت حراء، وما بلَّ بحر صوفة. ولا يزاد فيما بيننا وبينكم إلا تجددًا أبدًا الدهر سرمدًا< (2) .

وقد أشار إليها وافد بني كعب على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيث قدم ليخبره بما صنعت قريش وبمعونتها لبني بكر، ودعاه للنصرة، وأنشد أبياتًا بدأها بقوله:

لا هُمَّ إني ناشدٌ محمدًا ... حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا .. (3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت