تدل على أن القرآن الكريم كان يكتب في العهد المكي رواياتُ قصةِ إسلام عمر بن الخطاب، وقد نقلت بروايات كثيرة جدًا يقوى بعضها بعضًا.
نقل ابن إسحاق ذلك فقال: >وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد وهما مستخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد اللّّه النحام ـ رجل من قومه من بني عدي بن كعب ـ قد أسلم وكان أيضًا يستخفي إسلامه خوفًا من قومه وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء، ومع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي اللّه عنهم، ممن كان أقام مع رسول اللّه بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد اللّّه فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرَّق أمر قريش وسفَّه أحلامها ( ... ) فرجع عمر عامدًا إلى أخته وختنه ـ زوج أخته ـ، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها ( ... ) وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفًا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ( ... ) فأعطته الصحيفة وفيه طه فقرأها فلما قرأ منها سطرًا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ( ... ) ولم تكن هذه الصحيفة التي سجلت سورة طه إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولةً بين أيدي الذين أسلموا من أهل مكة، سجلت سورًا أخرى من القرآن الكريم< (1) .
والذي يبدو من الأحداث أن هذه الوثائق والصحف التي كانت متداولةً بين القلة المسلمة في مكة كانت تكتب على أغلب الظن في مقر الرسول صلى الله عليه وسلم ـ دار الأرقم بن الأرقم ـ بناءً على كون الأرقم بن الأرقم من الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة، ومن ثم كان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فلا يستبعد أن يكون أحد أسباب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لداره إضافةً إلى مايذكره المؤرخون من الأسباب، كونه من الكتبة حتى يتيسر للرسول صلى الله عليه وسلم كتابة ما ينزل عليه فور نزوله ولا سيما أثناء وجوده في داره.