يعتمدون على الكتابة والتسجيل إلا نادرًا! أو أنهم كانوا أميين لا يكتب منهم إلا الواحد أو الاثنان!. وعليه فإن الاستشهاد بهذا الحديث على جهل العرب والمسلمين بالكتابة والقراءة، بل وبالحساب بصورة عامة استشهاد غير سليم وفي غير محله، ويدل على الجهل بواقع العرب والمسلمين في صدر الإسلام.
يضاف إلى كل ما سبق أن حمل الحديث على العموم يعارض مضمون القرآن الكريم الذي حثَّ وفي أول آية، بل في أول كلمة نزلت منه على الكتابة والعلم. يقول الدكتور عبد الصبور شاهين بعد أن يذكر حديث القرآن الكريم عن الخط ومتعلقاته: >وكل ذلك موجه إلى أولئك العرب الذين لصقت بهم صفة الأمية خلال التاريخ، فلا ريب أنها لم تكن أمية جهل بالقراءة والكتابة، وإنما هي وثنية كانوا يدينون بها، لا علاقة لها بعلم أم جهل< (1) . وكيف يفهم أمر القرآن الكريم بضرورة كتابة الديون في المعاملات التجارية اليومية إذا ما حمل الأمية في الحديث على الأمية العامة بالكتابة والحساب؟!.
وكذلك يخالف أحاديث أخرى ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكتابة، ومنها: >قيدوا العلم بالكتابة< (2) . وتبين من حال الصحابة ولا سيما في المدينة أنهم كانوا يكتبون كل شيء يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إضافةً إلى كتابتهم للقرآن الكريم، وخير دليل على ذلك الحديث الذي علق عليه الإمام ابن قتيبة نفسه بما سبق، وكذا في سنن الدارمي وغيره: >عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. بشر يتكلم في الغضب والرضاء، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلي فيه، وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق< (3) . وغير ذلك من الآثار التي ثبتت وتدل على وجود الكتابة في تلك المرحلة.
وبعد أن توضح معنى لفظة الأمية والأميين، يود الباحث أن يأتي بعينات ونماذج من العصر الجاهلي وصدر الإسلام، من الذين كانوا يكتبون ويقرؤون والتي تدل دلالةً واضحةً وضوح الشمس في كبد السماء، على أن ما ذهبت إليه أغلب المصادر العربية القديمة، وتبعها بعض الدراسات المعاصرة، من أن الأمية بمعنى عدم معرفة القراءة والكتابة كانت مطبقةً على العرب ليس بصحيح، وأن الكتابة كانت موجودةً ومنتشرةً إلى حد لا بأس به ولا سيما في مكة، المركز الديني المرموق والتجاري المزدهر في قلب الجزيرة العربية.
والأمر الذي لا شك فيه أن الكتابة: >كانت معروفة في مجتمع المدن، وبخاصة التجارية، ففي مثل هذه المدن تكون الكتابة أمرًا حيويًّا لا بد منه لقيام حياة اقتصادية منظمة بها ... وإذا اتخذنا مكة مثلًا لهذه المدن التجارية، فإننا نستطيع أن نقرر صحة هذا التوجه، فقد كانت الكتابة عنصرًا أساسيًّا من عناصر الحياة في مكة، وحقيقة ثابتة من حقائق تاريخها القديم لا يوجد اليوم بين الباحثين من يجادل فيها< (1) .
ولا يذهب الباحث بقوله هذا إلى أن العرب كلهم كانوا يجيدون الكتابة، وأنها كانت شغلهم الشاغل، وإنما ما يريد إثباته كتمهيد لإثبات كتابة القرآن الكريم في العهد المكي، وأن الكتابة كانت منتشرةً إلى حد لا بأس به بين العرب، ولا سيما في مكة والمدينة، بحيث لا يظن ظان أن حالة الكتابة كانت متدنيةً إلى درجة لم يكن معها بإمكان المسلمين كتابة القرآن الكريم الذي نزل في مكة، وكان بعضهم قد أجادوا الكتابة حتى لقبوا بالكملة (2) ، وتعدى بعض آخر ذلك إلى تعلم الكتابة بلغات أخرى كالفارسية، والعبرية والسريانية. وذلك لأنه لم يكن هناك شعب من الشعوب في تلك الفترة متعلم تعلمًا كليًا