لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قهر طباعهم الحربية، وكبح نخوتهم العربية فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس، في غير جبن وفي غير عجز.
بعد الأمر بالصبر والهجر الجميل يذكر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بفعل أبيهم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليأخذوا منه أسوة وقدوة فيقول سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الزخرف، الآيات: 26 - 28] .
وإلى جانب هذا التذكير الرباني، يضرب أيضا المثل المحسوس والملموس في حياة الناس لمن يوزع ولاءه بين أرباب متفرقة، ومن يكون ولاؤه لرب واحد، واتجاه واحد.
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الزمر، الآية: 29] . فقد وضح الله في هذا المثال القرآني حال المشرك الذي لا يؤمن بالله ولا يكون ولاؤه وحبه لله وفي الله بحال العبد الذي تملكه جماعة مشتركون في خدمته لهم لا يمكنه إرضاؤهم أجمعين. وحال الموحد الذي يعبد الله وحده ويوالي في الله وحده، مثله كمثل عبد لمالك واحد قد سلم وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه، مع رأفة مالكه به ورحمته به وشفقته عليه