{إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يسْتَكْبِرُونَ (35) وَيقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات:36،35] .
الشرط الرابع
الانقياد والتسليم لها ظاهرًا وباطنًا
قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنُونَ حَتَّى يحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لا يجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] .
فلا يكفي لتحقيق الإيمان أن تحتكم إلى الشرع إلا إذا رضيت به وانتفى الحرج: {ثُمَّ لا يجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ} ، ثم لا يكفي ذلك بل لا بد من التسليم ظاهرًا وباطنًا الذي يتنافى معه أدنى اعتراض {وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: «فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه، ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة» [1]
وقال سيد قطب ـ رحمه الله ـ: « {فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنُونَ} ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام، يقرره الله سبحانه بنفسه ويقسم عليه بذاته، فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام ولا تأويل لمؤول، اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام، وإذا كان يكفي لإثبات الإسلام أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله ... فإنه لا يكفي في الإيمان هذا ما لم يصحبه الرضا النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان» .
وقال تعالى: {يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إنَّ الَّذِينَ يغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات:1 ـ 3] .
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
«فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون مُحبطًا لأعمالهم؟» [2]
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36] .
مسألة: ما الفرق بين الانقياد والقبول؟
(1) «مجموع الفتاوى» (28/ 471) .
(2) «إعلام الموقعين» (1/ 51)