"وصلنا في المحاضرة الماضية إلى موضوع اختلاف الأساليب في القرآن، وقررنا أنه ليس على نسق واحد، واليوم نوضح هذه الفكرة فنقول: لا شك أن الباحث الناقد والمفكر الجرئ، الذى لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أى كتاب أدبى آخر، يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين، لا تربط الأول بالثانى صلة ولا علاقة، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة، أو تأثر ببيئات متباينة."
فمثلًا نرى القسم المكى منه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة، كما نشاهد أن القسم المدنى أو اليثربى تلوح عليه أمارة الثقافة والاستنارة.
فأنتم إذا دققتم النظر وجدتم القسم المكى يتفرد بالعنف والشدة، والقسوة والحدة، والغضب والسباب، والوعيد والتهديد، مثل: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) [المسد] (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر 1، 2] (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر 13، 14] (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر 5، 6] .
ويمتاز هذا القسم أيضًا بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق، فيقول: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) [الكافرون 1، 2] إلى قوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [6] .
ويمتاز كذلك بتقطع الفكرة، واقتضاب المعانى، وقصر الآيات، والخلو التام من التشريع والقوانين. كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم والفجر والضحى والعصر والليل والنهار والتين والزيتون ... إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلة الساذجة التى تشبه بيئة مكة تأخرًا وانحطاطًا.