تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريًا روضه غب القَطار
(وربك) إذ يحل الناس نجدًا
وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين و ما شعرنا
بأنصَاف لهنَّ ولا سرار
ولو استطردنا بذكر شيء مما ورد في أشعارهم لطال المقال [1] ، فأي دار من ديارها ما وقفوا عليها؟ وأي أطلال دوارس ماهز بعضهم شوق إليها، وحسبك قول عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
و فوق ذلك تجد في تلك المصنفات ذكر عشائر الجزيرة وقبائلها وخصائصهم، وأمور دقيقة متعلقة بهم.
وفضلًا عن ذلك فقد كان للحضارات القديمة فيها شأن عظيم بل إن أول الحضارات البشرية قامت بها وأَهَلتْها وذلك لمّا بنى آدم عليه السلام بيت الله الحرام [2] فكان أول بيت وضع للناس
(1) انظر في ذلك مثلًا صفة جزيرة العرب للحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني ص 319 وما بعدها. طبعة دار اليمامة 1397 بتحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي.
(2) ذكر ابن حجر في الفتح أقوالًا في أول من بنى البيت فذكر آدم والملائكة وشيث ابن آدم، ثم قال والأول أثبت، قال السيوطي في شرح سنن النسائي عند تعليقه على حديث:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أَيّ مَسْجِد وُضِعَ أولًا؟ قال: (المسجد الحرام) . قلت: ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى) . قُلْت: وكم بينهما؟ قال: (أَرْبَعُونَ عَامًا) قال القرطبي: فيه إشكال، وذلك أن المسجد الحرام بناه إبراهيم عليه السلام بنص القرآن, والمسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام، كما أخرجه النسائي من حديث ابن عمر، وسنده صحيح، وبين إبراهيم وسليمان أيامًا طويلة، قال أهل التاريخ أكثر من ألف سنة. قال: ويرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على بناء إبراهيم وسليمان -لِما بينّا- ابتداء وضعهما لهما, بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه، وقد روي: أول من بنى البيت آدم، وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا. انتهى. قُلْت: بل آدم نفسه هو الذي وضعه أيضًا، قال الحافظ ابن حجر في كتاب التيجان لابن هشام: إن آدم لمّا بنى الكعبة أمره الله -تعالى- بالسير إلى بيت المقدس, وَأَنْ يَبْنِيَهُ فَبَنَاهُ وَنَسَكَ فِيهِ"كتاب المساجد باب ذكر أي مسجد وضع أولًا، حديث رقم 689، سنن النسائي بشرح السيوطي 2/ 362، الطبعة الخامسة لدار المعرفة، 1420.