ببكة مباركًا، وقد ذكر العليم الحكيم في القرآن الكريم عن حضارات الجزيرة العربية ما لم يذكره عن غيرها من الأمم والحضارات التي قامت في شتى البلدان والأقاليم فسادت ثم بادت.
ألا ترى أن جزيرة العرب، أرض معجزات نبوية، ومجال رسالات سماوية، ففيها بلد سبأ، وسدُّ مأرب، وعرشٌ عظيم، وبئرٌ معطلة، وقصر مشيد، بل سائر بلاد عاد؛ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وأصحابُ الرس، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الأخدود، وقبر هود، ودعوة إبراهيم، وحجر صالح، ومدين شعيب، ومرتع إسماعيل، وملجأ موسى، ومهد محمد -صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين- ومثواه:
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها ... الرشيد المسدد [1]
ثم كانت أرض الجزيرة وطاءً لخير القرون وأديمها لحافًا لجُلِّهم بعد أن غيبوا تحت أطباق ثراها.
وشتان شتان بين قبر لأبي بكر وعمر، وآخر لخوفو وخفرع! بون واسع وفرق شاسع بين روضة من رياض الجنة وحفرة من حفر النار:
لئن تطاول بالأهرام منهزم ... فنحن أهرامنا سلمان أو عمر
ومع هذا كله فأرض الجزيرة العربية تشتمل على حدود جليلة، وكُوَرٍ جسيمة، فهي من أمد الأقاليم مساحة، وأفسحها ساحة، وأعظمها حرمة، وأشرفها مدنًا، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ... ) [2] .
لحكمة ٍ بالغة ٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها
وقد فضل جزيرة العرب على ما سواها جمع ممن عنوا بالأقاليم والبلدان. قال الهمداني:"أفضل البلاد المعمورة من شق الأرض الشمالي إلى الجزيرة الكبرى ... وتسمى جزيرة العرب" [3] ، وقال القلقشندي:".. بجزيرة العرب الواقعة في أواسط المعمورة وأعدل أماكنه وأفضل بقاعه، حيث"
(1) البيت من مرثية حسان -رضي الله عنه- التي مطلعها: بطيبة رسم للرسول ومعهد.
(2) القصص: 68.
(3) صفة جزيرة العرب ص 3، للهمداني.