جميع الجهات ومنه تؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، وهذا الشخص هو الملِك وإليه يرجع أمور المملكة كلها فيختار ما أمره الشرع أن يختاره، ويترك ما أمره الشرع أن يتركه، ويستحسن ما أمره الشرع أن يستحسنه، ويستقبح ما أمره أن يستقبحه؛ وصفة خاطر هذا الملك التثبت والنظر في جميع ما يرد عليه من الخواطر فينفذ منها ما يجب تنفيذه ويرد ما يجب رده، وخواطر هذا الجوهر الشريف وإن كثرت ترجع إلى ثلاثة أنواع: الأمر بالتنزه عن دني الأخلاق والأعمال والأحوال ظاهرا وباطنا، والأمر بالاتصاف بمحاسن الأخلاق والأعمال والأحوال وأعاليها كذلك، والأمر بإعطاء جميع أهل مملكته حقوقهم وتنفيذ الأحكام الشرعية فيهم ... (ولا ورع كالكف) الورع في الأصل الكف ويقال ورِع الرجل يرِع بالكسر فيهما فهو ورع، ثم استعير للكف عن المحارم، فإن قيل فعليه الورع هو الكف، فكيف يقال الورع كالكف؟ قلنا: الكف إذا أطلق فُهِم منه كف الأذى أو كف اللسان كما في خبر: خذ عليك هذا، وأخذ بلسانه فكأنه قيل لا ورع كالصمت أو كالكف عن أذى الناس ... (ولا حسب كحسن الخلق) أي لا مكارم مكتسبة كحسن الخلق مع الخلق فالأول عام والثاني خاص ... وأخرج البيهقي في الشعب عن علي كرم الله وجهه: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب ... .
(فائدة 1 = حسن الخلق ...
*** قال الله تعالى مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)
+ قال ابن كثير رحمه الله: قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام ... وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد ... وقال عطية: لعلى أدب عظيم ... وقال مَعْمَر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: كان خلقه القرآن، تقول كما هو في القرآن ... وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى .. قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن ...
-ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجيةً له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي:"أف"قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال البخاري = ... عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء