ثمر الخاطر
ومن النماذج التي تأدب فيها الصالحون مع ربهم في الاستثناء قول صاحب مدين
(الشيخ الكبير) * لموسى - عليه السلام - بعدما عرض عليه أن يكون أجيرًا عنده
كما في قوله تعالى: (( ... ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) )القصص، 27.
قال سيد: - رحمه الله -"وهو أدب جميل في التحدث عن النفس وفي جانب الله،"
فهو لا يزكي نفسه، ولا يجزم بأنه من الصالحين، ولكن يرجوا أن يكون كذلك، ويكل
الأمر في هذا لمشيئة الله" (في ظلال القرآن، ج 5/ 2688) ."
إن مشيئة الله نافذة مطلقة ومثبتة، ومشيئة العبد تابعة تحت مشيئة الله، ولن
تنفذ مشيئة العبد إلاّ بمشيئة الله، قال تعالى: ... (( وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله
رب العالمين )) التكوير، 29.
قال السعدي - رحمه الله -"فإن مشيئة الله نافذة عامة لا يخرج عنها حادث قليل ولا"
كثير، ففيها رد على القدرية الذين لا يدخلون أفعال العبد تحت مشيئة الله، والجبرية
الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة ولا فعل حقيقة، وإنما مجبور على أفعاله، فأثبت
الله للعبد مشيئة حقيقة، وفعلًا وجعل ذلك تابعًا لمشيئته"تيسير الرحمن، 831."
فلما كان هذا الأدب مع الله يجلب الخير للعبد من تيسير أموره، وعدم
تأخرها، وحصول البركة فيها، فإن تركه* نسيانًا قد يتسبب في تأخير ما تنوي فعله
مستقبلًا، وهذا ما حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - حينما سألته اليهود عن خبر الفتية، فقال أخبركم
غدًا، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية
يأمره بالاستثناء في مثل هذا، ولو نسيه يستثني عندما يذكره.