تسوّف، واجعل قدوتك العلماء العاملين الذين جدوا وتسابقوا في هذا الميدان. ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.
واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.
وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك.
قال ابن جماعة الكناني:"الذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه ... فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصدده فليتلطّف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكّنها، فإن الأمور إذا تمكّنت عسرت إزالتها" [1] .
8 -اختيار الصاحب:
احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على تحصيل مقاصدك، ويساعدك على تكميل فوائدك، وينشطك على زيادة الطلب، ويخفف عنك الضجر والنصب، موثوقًا بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه، ويكون ناصحًا لله غير لاعبٍ ولا لاهٍ. [2] ""
وإياك وقرين السوء؛ فإن العرق دساس، والطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض، والدفع أسهل من الرفع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» [3]
وقال ابن عطاء الله:"لا تصحبْ من لا يُنهضُكَ حالٌه، ولا يدلُّكَ على الله مقالُه" [4]
9 -التفرغ والمحافظة على الأوقات:
وذلك بأن لا يضيع شيئًا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة، وقد كان بعضهم لا يترك الاشتغالَ بالعلم لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم، ويشتغل به بقدر الإمكان.
قال الشافعي: لو كلفت شراءَ بصلة لما فهمت مسألة [5] .
(1) - تذكرة السامع والمتكلم (ص 83) .
(2) - انظر تذكرة السامع لابن جماعة.
(3) - أخرجه أحمد (8417) وقال الأرنؤوط: إسناده جيد. وأخرجه أبو داودالطيالسي (2573) ، ومن طريقه عبد بن حميد (1431) ، وأبو داود (4833) ، والترمذي (2378) ، وأخرجه إسحاق بن راهويه (351) من طريق الوليد بن مسلم،.وقال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ» .وحسنه الألباني.
(4) - الحكم العطائية (14) لابن عطاء الله السكندري.
(5) - انظر: تذكرة السامع والمتكلم (ص 27) .