وقال بعضهم:"لا يَنال هذا العلم إلا من عطّل دكّانه، وخرّب بستانه، وهجر إخوانَه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته" [1] .
والوقت نعمة إلهية تستوجب منا الشكر، قال تعالى: { ... وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [2] .
ففي هذه الآيات الكريمة يمتن تعالى على عباده بجملة من نعمه التي لا تحصى، ومن هذه النعم نعمة الليل والنهار الذي يدور الوقت حولهما ويقوم عليهما، وكثير من الناس يغفلون عن هذه النعمة مع جلائها، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [3] .
ومن هنا تتجلى لنا تلك النعمة الإلهية التي غفل عن شكرها الغافلون، وتنافس في تبديدها وإهدارها البطالون المبطلون، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ ) ) [4]
فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر المنعم على نعمة الوقت وأن يوظفه في كل مفيد نافع.
والوقت أمانة ومسئولية سيسأل عنها الإنسان يوم العرض على الله، قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) ) [5]
والوقت من أغلى ما يمتلكه الإنسان، فالوقت هو الحياة، وهو رأس مال الإنسان، وإذا ضيعه فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستردّه، وشبهه بعض العقلاء بالذهب، ولكنه أغلى وأنفس من كل نفيس؛ لأنه جزء من كيان الإنسان، لأنه أنفاسه المعدودة في هذه الحياة.
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه ** وأراه أيسرَ ما عليك يهون
والمؤمن وحده هو الذي يعرف قيمة الوقت، لمعرفته بالغاية التي من أجلها خلق، قال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ} [6] .
وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم حريصين أشد الحرص على الانتفاع بأوقاتهم واغتنامها واستثمارها، فقد كانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات ضنّا منهم بالوقت، وحرصًا على أن لا يذهب منهم سدى.
(1) - انظر: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (1534)
(2) - سورة إبراهيم:33 - 34
(3) - سورة النحل:12
(4) - رواه البخاري (6412) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقوله (مغبون) من الغبن وهو النقص، وقيل: الغبن وهو ضعف الرأي. (الصحة) في الأبدان. (الفراغ) عدم ما يشغله من الأمور الدنيوية.
(5) - رواه الترمذي (2417) وقال: حسن صحيح.
(6) - الذاريات:56 - 59