الصفحة 32 من 72

قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي) .

وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله (إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما) .

وقال الحسن البصرى رحمه الله: «ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ» [1] وقال أيضًا: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم.

قال أبو هلال العسكرى: كان الخليل بن أحمد - الفراهيدى البصرى أحد أذكياء العالم (170 هـ) - يقول: أثقل الساعات علي: ساعة آكل فيها، فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟!، وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟! [2] .

وروى الخطيب البغدادى عن أبى العباس المبرد قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ - عمرو بن بحر إمام أهل الأدب - (255 هـ) والفتح بن خاقان - الأديب الشاعر أحد الأذكياء - من أبناء الملوك، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخًا، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن، (247 هـ) وإسماعيل بن إسحاق القاضي - الإمام الفقيه المالكى البغدادى - (282 هـ) .

فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أي كتاب كان، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.

وأما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه، فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو للصلاة، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه، إلى أن يأخذ مجلسه، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده.

وأما إسماعيل بن إسحاق القاضي فإني ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب [3]

وقال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث [4] .

وبحرص سلفنا الصالح على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم، وخلد ذكرهم، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف المسلمين تفننهم وتفانيهم في تدمير وإهدار أوقاتهم في المقاهي والملاهي والطرقات وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها.

(1) - حلية الأولياء (2/ 148) وروى البيهقي في الشعب (13/ 198 رقم 10180) مثله من كلام أبي الدرداء رضي الله عنه

(2) - الحث على طلب العلم والاجتهاد في جَمعِه لأبى هلال العسكرى ص 87.

(3) - تقييد العلم للخطيب البغدادى ص 139.

(4) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 178. (وعبيد بن يعيش شيخ البخاري ومسلم تراجع ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبى 11/ 45) .وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر (48/ 223)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت