بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع وبدعته، ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع. وكان من السلف من لا يصلى على جنازة مبتدع، وكان من السلف من ينهى عن حكاية بدعهم، لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة [1] .
11 -التأدب مع الشيخ:
بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذًا بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق. فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال، والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبًا الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجردًا، أو مع لقبه بل قل:"يا شيخي، أو يا شيخنا، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار [2] ."
وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير صلى الله عليه وسلم في قوله: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [3]
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلِّم عليه خاصَّة، وعلى القوم عامّة، وتجلس قُدَّامه، ولا تشِر بيديك، ولا تغمِز بعينَيك، ولا تقُل: قال فلان خلافَ قولك، ولا تأخذ بثوبِه، ولا تُلحَّ عليه في السؤال، فإنّه بمنزلة النخلة المُرطبة التي لا يزال يسقط عليك منها شيء) [4]
وقال الشَّعْبِيِّ: رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَخَذَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، قَالَ لَهُ زيد: لا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا" [5] ."
فانظر إلى أدب ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته ومرتبته.
وقد نبه الله تعالى على أدب المتعلم مع معلمه في قصة موسى والخضر عليهما السلام بقول الخضر لموسى: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [6] فقال له موسى
(1) - انظر: حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد (ص:29)
(2) - حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد (ص:25)
(3) - سورة النور:63
(4) - تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة
(5) - المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري (4/ 146 رقم 1314) وجامع بيان العلم لابن عبد البر (1/ 514 رقم 832) وابن عساكر (19/ 326) .
(6) -الكهف: 67