الصفحة 53 من 72

وكان أحمد بن الفرات لا يترك كل يوم إذ أصبح أن يحفظ شيئًا وإن قلّ.

قال ابن عباس:"إنما يحفظ الرجل على قدر نيته".

ــ ولا شك أن من شؤم المعصية ذهاب الحفظ: سأل رجل مالك بن أنس رحمه الله: يا أبا عبد الله! هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي.

ــ ومن أسباب الحفظ: التقلل من الدنيا، ونحن نعلم أن أبا هريرة رضي الله عنه كان متقللًا من الدنيا، وكان ذلك من أهم أسباب حفظه، حتى عدها ابن حجر رحمه الله فائدة في حديث أبي هريرة، قال: وفيه أن التقلل من الدنيا أمكنُ للحفظ. فإذًا: ترك المعاصي وفعل الطاعات من أسباب الحفظ، وفعل المعاصي من أسباب نسيان العلم، قال عبد الله: إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها. وقيل لسفيان بن عيينة: بم وجدت الحفظ؟ قال: بترك المعاصي.

ــ وشرب ابن حجر ماء زمزم وسأل الله أن يُبلغه مرتبة الذهبي في الحفظ، فالدعاء وشرب ماء زمزم من أسباب الحفظ. ولاشك أن من أسباب الحفظ العظيمة: ذِكر الله عز وجل، قال الله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [1]

ــ قال الزبير بن بكار: دخل عليَّ أبي وأنا أروي في دفتر ولا أجهر -أروي فيما بيني وبين نفسي- فقال: إنما لك من روايتك هذه ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الرواية فانظر إليها واجهر بها، فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك وما أدى سمعك إلى قلبك.

وعن أبي حامد أنه كان يقول لأصحابه: إذا درستم فارفعوا أصواتكم فإنه أثبت للحفظ وأذهب للنوم، وكان يقول: القراءة الخفية للفهم والرفيعة للحفظ [2] .

ــ ومن أسباب الحفظ عدم تحميل القلب حفظ شيء كثير جملة واحدة. قال سفيان: كنت آتي الأعمش ومنصور، فأسمع أربعة أحاديث وخمسة ثم انصرف كراهة أن تكثر وتتفلت. وعن شعبة قال: كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا. حتى أحفظهما وأتقنهما. وقال بعضهم: من طلب العلم جملة فاته جملة. وقال بعضهم: إنما كنا نطلب حديثًا أو حديثين. وعن الزهري قال: إن هذا العلم -هذه تجارب حفاظ- إن أخذته بالمكابرة عسُر عليك، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به.

(1) - الكهف:24

(2) - يعنى: القراءة الخفية إذا أردت أن تتدبر وتفكر وتنظر، والرفيعة -التي فيها رفع صوت- للحفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت