فهرس الكتاب
منهما على ما وقعت عليه صفقته, وهذا لا يخالف فيه أحد أنه منهي عنه؛ من أجل الضرر ,وعدم معرفة الثمن.
ثانيا: أن حديث أبي هريرة السابق بتعليل بيعة في بيعتين بالربا. فالربا هو العلة ,والنهي يدور معها ,وإذا أخذ أغلى الثمنين ,فهو ربا, وإذا أخذ أقلهما فليس بربا ,وهذا يعني: الجواز. وعندئذ لا يكون قد باع بيعتين في بيعة, فمثلًا إذا باع سلعة بسعر يومه ,وخيَّر الشاري بين أن يدفع الثمن نقدًا, أو نسيئة, فهل يصدق عليه إنه باع بيعتين في بيعة؟
ولهذا قال ابن القيم [1] : وأبعد كل البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة, أو خمسين حالة, وليس ها هنا ربا, ولا غرر, ولا قمار, ولا شيء من المفاسد ثم قال: لأنه ليس هنا صفقتين في صفقة, وإنما هي صفقة واحدة ,يأخذ بأي الثمنين شاء ونقل عن الترمذي [2] قوله: فسر بعض أهل العلم فقالوا: بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة, وبنسيئة بعشرين, ولا يفارقه على أحد البيعتين, فإذا فارقه على أحدهما ,فلا بأس إذا كانت العقدة على أحدهما. [3]
وقد نقل ابن الرفعة [4] أن: المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام, أما لو قال: قبلت بألف نقدًا, أو بألفين بالنسيئة صح ذلك. [5]
ثالثا: أن النهي في الحديث لم يكن بسبب الأجل في إحدى البيعتين فحسب, وإنما بالسببين معًا, وهما كونهما بيعتين ,وكون إحداهما مؤجلة.
أما المسألة التي معنا بيعة واحدة, فلا تدخل في النهي. [6]
وقال الشافعي [7] في معنى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة: أن يقول ابتعتك داري هذه على أن تبيعني غلامك بكذا ,فإذا وجب لي غلامك وجب لك داري, وهذا الفارق على بيع بغير ثمن معلوم, ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته. [8]
قال أبو عيسى [9] : حديث أبي هريرة حسن صحيح, والعمل على هذا عند أهل العلم ,وفسر بعض أهل العلم فقالوا: بيعتين في بيعة: أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة ,ونسيئة بعشرين, ولا يفارقه على أحد البيعتين, فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس, إذا كان العقدة على أحدهما. [10]
قال ابن قدامة [11] : وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو: أن يقول بعتك هذا العبد بعشرة نقدًا, أو القدرة عشرة نسيئة, أو بعشرة مكسرة, أو تسعة صحاحًا هكذا فسره مالك ,والثوري, وإسحاق وهو أيضا باطل ,وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يجزم له ببيع واحد ,فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا؛ ولأن الثمن مجهول, فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول , فلم يصح ,كما لو قال: بعتك أحد عبيدي [12] ثم قال: وقد روي عن طاوس [13] ,والحكم [14] ,وحماد [15] أنهم قالوا: لا
(1) - هو الإمام محمد بن أبي بكر بن سعد الزرعي. شمس الدين من أهل دمشق. من أركان الإصلاح الإسلامي، واحد من كبار الفقهاء. تتلمذ على ابن تيمية وانتصر له وقد سجن معه بدمشق. 751 همن تصانيفه: الطرق الحكمية و مفتاح دار السعادة و الفروسية و مدارج السالكين يراجع: لأعلام 6/ 281؛
(2) -محمد بن عيسى بن سورة السلمي البوغي الترمذي، أبو عيسى. من أئمة علماء الحديث وحفاظه. من أهل ترمذ, تلميذ للبخاري. كان يضرب به المثل في الحفظ توفي 279 هـ. من تصانيفه: الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي. أحد الكتب الستة المقدمة في الحديث عند أهل السنة؛ و الشمائل النبوية و التاريخ و العلل في الحديث يراجع:. [التهذيب ج 9 ص 387؛]
(3) إعلام الموقعين ج 3 ص 150.
(4) - هو الإمام أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم، أبو العباس، الأنصاري، المصري، المعروف بابن الرفعة. فقيه شافعي، من فضلاء مصر: تفقه على الظهير الترمنتي، والشريف العباسي، ولقب بالفقيه وتوفي 710 هـ من تصانيفه:"المطلب في شرح الوسيط"و"الكفاية في شرح التنبيه"، و"بذل النصائح الشرعية في ما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية"و"الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان"
ويراجع: طبقات الشافعيةج 5 ص 177، والأعلام ج 1 ص 21
(5) نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 49 5 الروضة الندية ج 2 ص 88 ص 89 إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ج 1 ص 144.
(6) 1 - القواعد النورانية ص 121 - مغني المحتاج ج 3 ص 186 - الفتاوى ج 29 ص 431
(7) - سبق ترجمته.
(8) 3 - أخرجه الترمذي في سننه ,ك البيوع باب النهي عن بيعتين في بيعة ج 3 ص 533 رقم 1231.
(9) - سبق ترجمته.
(10) 5 - عقود المعاملات د محمد عامر ص 140 ص 141.
(11) - هو الإمام عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة. أبو الفرج، المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي، فقيه، محدث، أصولي. سمع من أبيه، وعمه الشيخ موفق الدين وابن الجوزي، وغيرهم. وتفقه على عمه الموفق، وروى عنه محيي الدين النووي، وأحمد بن عبد الدايم، وتقي الدين بن تيمية، وغيرهم، ودرس وأفتى، من تصانيفه:"شرح المقنع"في عشر مجلدات، و"تسهيل المطلب في تحصيل المذهب".وتوفي سنة 682 هـ يراجع: الذيل على طبقات الحنابلة ج 1 ص 319 , ومعجم المؤلفين ج 5 ص 369.
(12) 7 - المغني ج: 4 ص: 161.
(13) - هو الإمام طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء، أبو عبد الرحمن. أصله من الفرس، مولده ومنشؤه في اليمن. من كبار التابعين في الفقه ورواية الحديث. وعظ الخلفاء والملوك. توفي حاجا بالمزدلفة أو منى. وصلى عليه أمير المؤمنين هشام أبن عبد الملك. يسنة 106 هـ.
(14) - هوالإمام الحكم بن عُتَيْبة، الكندي بالولاء، من أهل الكوفة. تابعي أدرك بعض الصحابة، عرف بالفقه. شهد له الأوزاعي وغيره. ورُمي بالتدليس. وتوفي سنة 113 هـ [تهذيب التهذيب ج 2 ص 432] .
(15) -هو حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة، مولى تميم. مفتي أهل البصرة، أحد رجال الحديث. كان إمامًا في العربية فقيهًا وفصيحًا مفوَّهًا مقرئًا، شديدًا على المبتدعة. قد احتج به مسلم في أحاديث عدة في الأصول وتحايده البخاري. توفي سنة 167 هـ من تصانيفه: العوالي في الحديث و كتاب السنن. [والأعلام للزركلي ج 2 ص 302.