وأن يتلقى و أن يستجيب. لابد لمن يريد ان يجد الهدى في القرأن ان يجئ اليه بقلب سليم، بقلب خالص ثم ان يجئ اليه بقلب يخشى و يتوقى و يحذر أن يكون على ضلالة أو تستهويه ضلالة و عندئذ يتفتح القرآن عن أسراره و انواره ويسكبها في هذا القلب الذي جاء اليه متقيا خائفا حساسا مهيا للتلقي. ورد ان عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) سأل أبي أبن كعب عن التقوى فقال له: اما سلكت طريقا ذا شوك؟ فقال بلى. قال فما عملت؟ قال شمرت و اجتهدت. قال فذلك التقوى. لذلك التقوى حساسية في الضمير و شفافية في الشعور و خشية مستمرة وحذر دائم وتوق لأشواك الطريق، طريق الحياة الذي تتجاذبه اشواك الرغائب والشهوات واشواك المطامع و المطامح و اشواك المخاوف و الهواجس و اشواك الرجاء الكاذب فيمن لايملك اجابة رجاء و الخوف الكاذب ممن لايملك نفعا و لاضرا، و عشرات غيرها من الأشواك. ثم ياخذ السياق بيان صفة المتقين و هي صفة السابقين من المؤمنين في المدينة المنورة كما انها صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} البقرة ) ).
يقول محمد علي الصابوني في كتابه صفوة التفاسير: أي يصدقون بما غاب عنهم و لم تدركه حواسهم من البعث و الجنة و النار و الصراط والحساب و غير ذلك من كل ما اخبر عنه القرآن الكريم أو النبي (عليه الصلاة والسلام) . و يقيمون الصلاة: أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها و اركانها و خشوعها و آدابها. قال ابن عباس: أقامتها أتمام الركوع والسجود و التلاوة و الخشوع. ومما رزقناهم ينفقون: أي ومن الذي اعطيناهم من الأموال ينفقون و يتصدقون في وجوه البر و الأحسان، و الأية عامة تشمل الزكاة و الصدقة و سائر النفقات. و روي عن ابن عباس ان المراد بها زكاة الأموال. قال ابن كثير: كثيرا ما يقرن تعالى بين الصلاة و الأنفاق من الأموال لأن الصلاة حق الله و هي مشتملة على توحيده و تمجيده و الثناء عليه، والأنفاق هو الأحسان الى المخلوقين و هو حق العبد. فكل من النفقات الواجبة و الزكاة المفروضة داخل في الأية الكريمة.
و الذين يؤمنون بما انزل إليك: أي يصدقون بكل ما جئت به عن الله تعالى و ما أنزل من قبلك أي بما جاءت به الرسل من قبلك لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله. (( وبالآخرة هم يوقنون ) )أي و يعتقدون اعتقادا جازما لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا بما فيها من بعث وجزاء و جنة ونار وحساب وميزان وإنما سميت الدار الآخرة لأنها بعد الدنيا. (( أولئك على هدى من ربهم ) )أن أولئك المتصفون بما تقدم من الصفات الجليلة على نور وبيان وبصيرة من الله. (( وأولئك هم المفلحون ) )أي و أولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم.
يقول سيد قطب: فالتقوى شعور في الضمير وحالة في الوجدان تنبثق منها اتجاهات و أعمال وتتوحد بها المشاعر الباطنة و التصرفات الظاهرة و تصل الإنسان بالله عز وجل في سره و جهره وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب و الشهادة و يلتقي فيه المعلوم والمجهول. ويقول: ومع التقوى والأيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها وجعلها صلة بين العبد والرب.
ألأية (21) : (ياأيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) . يقول سيد قطب: إن النداء الى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم و الذين من قبلهم , ربهم الذي تفرد بالخلق فوجب أن ينفرد بالعبادة، وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه و يحققونه.
(لعلكم تتقون) : لعلكم تصيرون الى تلك الصورة المختارة من صور البشرية صورة العابدين لله المتقين لله الذين أدو حق الربوبية الخالقة فعبدوا الخالق وحده رب الحاضرين و الغابرين و خالق الناس أجمعين, ورازقهم كذلك من ألأرض والسماء بلا ند و لا شريك.
ألأية (24) : (فإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .
بعد ان يتحدى الله سبحانه وتعالى الكفار وألمشركين ومن يدعون من شهدائهم ليأتوا بسورة من مثل هذا ألقرآن فأنه يتحداهم بعجزهم عن ذلك ويحذرهم بأن يتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. يقول سيد قطب: وهذا التحدي ظل قائما في حياة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وبعدها وما يزال قائما إلى يومنا هذا وهو حجة لا سبيل للمماحكة فيها. والتحدي هنا عجيب و ألجزم بعدم امكانه أعجب ولو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة. ومن ثم كان هذا التهديد المخيف لمن يعجزون عن هذا ألتحدي ثم لا