فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. [1] ولاشك أن الانصراف من عرفات قبل غروب الشمس أيسر على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فالناس في ذلك الوقت كانوا يتنقلون على الإبل وعلى الحمر وعلى أرجُلهم والمسافة بين عرفات ومزدلفة تحتاج إلى وقت فقد يمضي عامة الليل قبل أن يصل الحاج إلى مزدلفة بل إن بعض الحجاج ربما خرج من عرفات ولم يصل إلى مزدلفة ويتيه عنها ولهذا كان الخلافاء وأُمراء الحج يوقدون نارًا في المشعر الحرام في مكان مرتفع يسمى (المِيقدة) من أجل ألا يضل الحجاج يمينًا أو شِمالا. وإذًا فلا شك أن الأيسر لهم أن ينصرفوا نهارًا حتى يصلوا إلى مزدلفة في وقت إسفار. فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر وأخذ بالأشق دل على أن الأيسر لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. [2]
المناقشة
يمكن مناقشة هذا الدليل بأن ثمة أكثر من احتمال لعلها هي التي حملت النبي صلى الله عليه وسلم على البقاء حتى الغروب , بل قد يكون بقاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن غربت الشمس هو الأرفق بالمسلمين, فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الأيسر وهو الدفع نهارًا إلى الأشق وهو الدفع ليلًا إلا ليهدم عقيدة من عقائد المشركين , فإن من أعظم مقاصد حجة النبي صلى الله عليه وسلم هدم عقائد المشركين , وإذا لم يهدمها النبي صلى الله عليه وسلم فمن يهدمها إذًا؟! فإذا كان من المقاصد العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أن يهدم هذه العقيدة , فبقاؤه حتى الغروب لهدمها , لأنه لو لم يفعل ذلك لما انهدمت , فهذا يحتمل أنه
(1) صحيح البخاري كتاب المناقب بَاب صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 4/ 167,166 , صحيح مسلم كتاب المناقب بَاب مُبَاعَدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآثَامِ وَاخْتِيَارِهِ مِنْ الْمُبَاحِ أَسْهَلَهُ وَانْتِقَامِهِ لِلَّهِ عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ 2/ 1813 (2327) .
(2) الشرح الممتع على زاد المستقنع 7/ 418.