ثم إن ما ذكر من إنزاله في تلك الليلة أراد به إنزاله إلى اللوح المحفوظ فإنه نزل عليه فيها جملة ثم أنزل منه منجمًا في نيف وعشرين سنة.
وسره كما قال الفخر الرازي أنه لو نزل جملة واحدة لضلت فيه الأفهام وتاهت فيه الأوهام {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية اللّه} فهو كالمطر لو نزل دفعة لقلع الأشجار وخرب الديار
وقال السيد: في تنزيله منجمًا تسهيل ضبط الأحكام والوقوف على حقائق نظم الآيات.
قال ابن حجر: وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ولقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول {اقرأ باسم ربك} . ا. هـ
ـ (( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فِي لَيْلَة الْقَدْر , ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْد ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَة وَقَرَأَ"وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاس عَلَى مُكْث") ) [1] .
ـ (( عن ابن عباس: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل عليه السلام ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويرتله ترتيلًا ) ) [2] .
كما قال تعالى (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ) [3] ، (( بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) ) [4]
فنزول القرآن العظيم كان في ليلة القدر، ليلة الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك، وقد نزل جملة واحدة إلى اللوح المحفوظ، ثم أنزله الله تبارك وتعالى بعد ذلك مفرقًا على النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعثته وحتى وفاته، حسب قدر الله وتدبيره عز وجل.
والقرآن العظيم هو كلام الله تبارك وتعالى، كما هو مقرر بالأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو مقرر عند أهل السنة قاطبة بغير خلاف، أبلغه الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة الملك القوي الأمين سيدنا جبريل صلى الله عليه وسلم، وهو الملك الموكل بالوحي الكريم، الذي به حياة الأرواح والقلوب وتزكية النفوس.
لذا كان من المناسب أن تعرض للطرق التي كان يوحي بها الله تبارك وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم:
وقد كلم الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما كلم موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحدث ذلك في اليقظة ليلة الإسراء والمعراج كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة، عندما فرض الله تعالى عليه وعلى أمته الصلوات الخمس، كما في حديث أنس الطويل:
ـ (( قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلامِ، فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: مَا الَّذِي فَرَضَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: فَرَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ
(1) قال الحافظ في الفتح: صحيح: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْد وَالْحَاكِم.
(2) قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح: رواه الحاكم وابن أبي شيبة.
(3) الزخرف (4) .
(4) البروج (21 - 22) .