وكان يكرب لذلك عليه الصلاة والسلام ويحمر وجهه:
عن الفلتان بن عاصم قال: (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل، فكنا نعرف ذلك منه ) ) [1]
عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: (( أنه كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً، فَجَاءهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى: أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَاسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ، كَغَطِيطِ الْبَكْرِ، كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ ) ) [2]
(لَهُ غَطِيط) هُوَ كَصَوْتِ النَّائِم الَّذِي يُرَدِّدهُ مَعَ نَفَسه، (كَغَطِيطِ الْبَكْر) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَهُوَ الْفَتِيّ مِنْ الإِبِل.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (( كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ ) ) [3]
قال النووي: وَمَعْنَى (تَرَبَّدَ) أَيْ تَغَيَّرَ , وَصَارَ كَلَوْنِ الرَّمَاد. وَفِي ظَاهِر هَذَا مُخَالَفَة لِمَا سَبَقَ فِي أَوَّل كِتَاب الْحَجّ فِي حَدِيث الْمُحْرِم الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ , وَعَلَيْهِ خَلُوق , وَأَنَّ يَعْلَى بْن أُمِّيَّة نَظَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَال نُزُول الْوَحْي , وَهُوَ مُحَمَّر الْوَجْه. وَجَوَابه أَنَّهَا حُمْرَةُ كُدْرَة , وَهَذَا مَعْنَى التَّرَبُّد , وَأَنَّهُ فِي أَوَّله يَتَرَبَّد , ثُمَّ يَحْمَرّ أَوْ بِالْعَكْسِ. [4]
وكان يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل:
عن عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَمَكَثْنَا سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأَ"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ .."حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ ) ) [5]
وكان يأتيه الوحي وهو على راحلته فلا تتحمل ثقل الوحي وشدته:
عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: (( أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا ) ) [6]
(1) رواه أبو يعلى وصححه الألباني في صحيح السيرة (ص 108) .
(2) رواه البخاري في فضائل القرآن (4602) ، ومسلم في الحج (2017) ، والترمذي في الحج (765) ، والنسائي في الحج (2620) ، وأبو داود في المناسك (1553) ، وابن ماجه في الديات (2646) ، وأحمد (17269) ، ومالك في الحج (636) .
(3) رواه مسلم في الفضائل باب عرق النبي - صلى الله عليه وسلم - في البرد (4305) ، وأحمد (21645) .
(4) شرح مسلم.
(5) رواه الترمذي في التفسير باب سورة المؤمنون (3097) ، وأحمد (218) ، وقال أحمد شاكر في المسند (1/ 263) : إسناده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 535) بإسنادين، وصححه ووافقه الذهبي، والحديث نسبه السيوطي في الدر المنثور (5/ 2) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والعقيلي والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة.
(6) رواه أحمد (6354) ، وقال أحمد شاكر في المسند: (6/ 198) : إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح السيرة (ص 109) .