يزعم بعض القراء والمهتمين بالشأن العلمي، أن حمل القلم والتخطيط وتعليق الحواشي، ضرب من امتهان الكتب وتوسيخها، وأنها تصبح كالمتاع المهمل، والضيعة المغبرة، بسبب كثرة الخربشات واستدامة التخطيطات.
ويرون الأمثل إبقاء الكتاب نظيفًا بلا تخطيط، فضلًا عن التحشية والتعليق.!!
ومع احترامنا لوجهة النظر هذه، إلا أنها عرية علمًا وفكرًا، وواقعًا فلم يقم الدليل عند الأئمة قبلنا إلا على التحشية وعدم إهمال الكتاب بلا تعليق، بل يرون أنه بلا تعليق مظلم غير مجد ولا مفيد، والتعليق عليه يغلي ثمنه عند صاحبه، بحيث يصبح كنزًا باهظ الثمن، وعالي المكانة، يكلفه حفظه وصيانته، لأنه جمع عليه عقود الزبر جد ونقشَه بلآلي الجوهر والمرجان.
كما قال بعضهم ظانًا بالكتاب:
لصيق فؤادي منذ عشرين حجةً وصيقل ذهني والمفرِّجُ عن همّي
عزيزٌ على مثلي إعارةُ مثلهِ لما فيه من علم كبيرٍ ومن فهمِ
جَموعٌ لأنواع العلوم بأسرِها ... فأخلقْ به ألا يفارقَه كُمّي
وقال أبو الحسن الفالي، وقد اضطرته الفاقة لبيع جمهرة ابن دريد.
أنستُ بها عشرين حولًا وبعتَها لقد طالَ وجدي بعدها وحنيي
وما كانَ ظنّي أنني سأبيعُها ولو خلّدتني في السجون ديوني
وقد وجدت هذي الأبيات معلقة على النسخة.
والمحصل أن شأن الكتب عند أربابها كشأن الأموال والنفائس، بل أجلّ وأعظم، فكيف إذا حوت الحواشي الزهرية، والتعليقات الندية، سيكثر الاعتناء، وتبرز المسئولية والصيانة.