ومن مقاصد الجهاد حفظ حركة التعبد، واستدامة ممارسة الشعائر، وحفظ حرية الاعتقاد، والحفاظ على أماكن التعبد، ولقد قدم الإسلام حفظ أماكن التعبد للديانات الأخرى على مساجد المسلمين فقال القرآن:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ". سورة الحج: 39 - 40.
يقول الإمام الطبري:"إن الله ـ تعالى ذكره ـ أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدِم ما ذَكر، من دفعه ـ تعالى ذكره ـ بعضهم ببعض، وكفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك، وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين، وبيَعهم، وما سَمّى جل ثناؤه" [1] .
ويقول صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات:"وأن لهم ـ أي للمسلمين ـ ما يبرر خوضهم للمعركة؛ فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة، لا يعود خيرها عليهم وحدهم، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها؛ وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة. وذلك فوق أنهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} . . وهي أصدق كلمة أن تقال، وأحق كلمة بأن تقال. ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم. فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين. وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض، التي تشتجر فيها الأطماع؛ وتتعارض فيها المصالح؛ وتختلف فيها الاتجاهات، وتتضارب فيها المنافع! ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة .. حاجة العقيدة إلى الدفع عنها: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا} ."
والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد أماكن العبادة للمسلمين. وهي كلها معرضة للهدم على قداستها وتخصيصها لعبادة الله لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض. أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على
(1) جامع البيان في تأويل آي القرآن: 18/ 647.