وهذه القيم ـ قيم العدل والتسامح والمساواة ـ هي التي أدى انتشارها إلى انتشار الإسلام واعتناق الناس له طوعا دون أدنى إكراه.
ومن المقاصد المتعدية للقتال في سبيل الله منع وقوع الفتنة في مجتمع المسلمين بل في المجتمع الإنساني عامة؛ إذ بالقتال في سبيل الله يُستخلص المستضعفون من الفزع والقهر، ومن ثم لا تقع لهم فتنة في دينهم، أو إكراه في اختيار ما يدينون، قال تعالى:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ". البقرة:193. وقال تعالى:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". الأنفال:39.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره لآية سورة البقرة السابقة:"ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به، سفك دماء الكفار، وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن {يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} تعالى، فيظهر دين الله [تعالى] ، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل ولا قتال" [1] .
وقال في تفسيره لآية سورة الأنفال بعدها:"فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين اللّه الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان" [2] .
ولقد قرر القرآن أن الفتنة في الدين أكبر من القتل وأشد من القتل، ولهذا شرع القتال لدرء هذه الفتنة ومنعها، قال تعالى:"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ". البقرة: 217.
ولعل الفتنة هنا لا تقتصر على الفتنة في الدين فقط، بل تتنوع الفتنة إلى أنواع كثيرة، مثل الفتن السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها من الفتن، وهي فتن كلها مجتمعية ومتعدية جاء القتال لمنعها ووأدها؛ حفاظا على سلامة المجتمع، واستبقاء لبيضة الدين؛ إذ إن وجود الدين والالتزام به يتأثر طرديا بحالة المجتمع من كل النواحي.
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 89. مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى. 1420 هـ/2000 م
(2) السابق: 321.