يقول الدكتور مصطفى السباعي: في هذه الآية"تصريح بالنتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في هذا القتال المشروع، فهي ليست استعمار الشعوب، ولا أكل خيراتها، ولا انتهاب ثرواتها، ولا إذلال كراماتها، وإنما هي نتائج في مصلحة الإنسانية، ولفوائد المجتمعات، فهي:"
أ- لنشر السمو الروحي في العالم عن طريق العبادة {أَقَامُوا الصَّلَاةَ} .
ب- ولنشر العدالة الاجتماعية بين الشعوب عن طريق الزكاة {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} .
ج- ولتحقيق التعاون على خير المجتمع وكرامته ورقيه {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} .
د- وللتعاون على مكافحة الشر والجريمة والفساد {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} .
تلك هي النتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في قتالهم مع أعدائهم، من إقامة دولة إسلامية تعمل على سمو الروح، وتكافل المجتمع، ورقي الإنسان عن طريق الخير، ومنع انحداره عن طريق الشر، فأية غاية إنسانية أنبل من هذه الغاية التي شرع من أجلها القتال في الإسلام، وأي قتال عرفته الأمم في القديم والحديث يساوي هذه الغاية في عموم الفائدة للناس جميعا وبناء المجتمعات على ما يؤدي إلى رقيها وتطورها تطورا إنسانيا بناء، لا رجوع فيه إلى عهد الجاهلية الأولى، من الإباحية، والانحلال، والإلحاد والحروب، وسفك الدماء، كما هو شأن التطور الذي يتم في ظل هذه الحضارة الغربية المادية" [1] ."
فالإسلام ليس دينا لعصر دون عصر، ولا لقوم دون قوم، ولا لجيل دون جيل، ولا لأرض دون أرض، بل هو دين كل العصور وكل الأجيال وكل الأقوام، إنه دين الإنسانية أجمعين.
وحين نقول إن من مقاصد القتال في سبيل الله نشر هدايات الإسلام، فإنما هذه إشارة إلى القيم الإنسانية التي يتمتع بها هذا الدين، والتي ينشدها كل البشر، من رحمة وعدالة ومساواة، وباختصار هو نشر لكل الطيبات، ومنع لكل الخبائث، وهذا كله من مقاصد إرسال النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ برسالة الإسلام، قال تعالى:"يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ". الأعراف: 157.
ولقد تمثل هذا في تاريخ الحروب الإسلامية، وقد قال"غوستاف لوبون"كلمته التي طبقت الآفاق:"فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم" [2] ، فلم يكره أحدا على اعتناق شيء، ولا أسال دماء بغير حق، بل كان حريصا عليها كل الحرص، وقد تمثلت الرحمة وقيم الإنسانية في الحرب كما تمثلت في السلم سواء بسواء.
(1) السيرة النبوية دروس وعبر: 116 - 117. المكتب الإسلامي. بيروت. بدون تاريخ.
(2) حضارة العرب: 719. ترجمة عادل زعيتر. دار إحياء التراث العربي. بيروت. طبعة ثالثة. 1399 هـ/1979 م.