هنا ينطلق الإسلام بالسيف ليحطم هذه الأنظمة، ويدمر هذه القوى التي تحميها. . ثم ماذا؟. . ثم يترك الناس - بعد ذلك - أحرارًا حقًا في اختيار العقيدة التي يريدونها" [1] ."
وقد أمر الإسلام بنصرة المظلوم وأخذ الحق له، ورد الظلم على فاعله وأخذ المظلمة منه، وقد روى البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) . قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: (تأخذ فوق يديه) [2] . وفي رواية أخرى للبخاري عنه أيضا قال: (تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره) [3] .
وقد امتدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلف الفضول الذي وقع قبل البعثة، والذي قام على نصرة المظلوم والوقوف أمام الظالم، وقال عنه:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت" [4] .
وإذا كان الإسلام يهدف من تشريع القتال إلى رفع الظلم عن الناس وتخليص المستضعفين من القهر والظلم والاستبداد، ويمنع من وقوع الفتن في الدين والمجتمع، فإن هذا يعتبر مهادا للإسلام لكي ينشر هداياته وقيمه الإنسانية التي ينعم بها البشر جميعا مثل العدالة والمساواة، وهذا في الحقيقة انحياز كامل لقيم الحق والخير والجمال، وكل ما له علاقة بقيم الإنسانية التي تواضعت عليها البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وإذا كان غير المسلمين يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها، فإن المسلمين ـ كما يقول الشيخ السعدي ـ يفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة اللّه وإظهار دينه، والذب عن كتاب اللّه" [5] ."
ولقد وضح الله تعالى أن من عواقب النصر وثمرات الفوز نشر قيم الحق ومبادئ العدالة، فقال تعالى:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ". الحج: 41.
(1) في ظلال القرآن: 13/ 1738.
(2) صحيح البخاري: كتاب المظالم. باب: أعن أخاك ظالما أو مظلوما.
(3) صحيح البخاري: كتاب الإكراه. باب: يمين الرجل لصاحبه: إنه أخوه، إذا خاف عليه القتل أو نحوه.
(4) السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 266. تحقيق طه عبد الرءوف سعد. دار الجيل. بيروت. 1411 هـ.
(5) تفسير السعدي: 325.