الصفحة 16 من 20

الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} يريدون"يا أهل المدينة"فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية] فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي" [1] ."

ويقول تعالى مبينا حال الذين في قلوبهم مرض عند ذكر القتال ـ ذكر القتال فقط ـ:"وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ". سورة محمد: 20.

وهكذا ترسم آيات القرآن الكريم صورة واضحة لهذا المقصد العام الكبير من مقاصد القتال في سبيل الله، وهو مقصد رأيناه متحققا في كل ما رأينا من معارك قديمة وحديثة بين المسلمين وغيرهم، وما المعركة التي دارت بين الصهاينة وغزة في فلسطين محرم 1430 هـ عنا ببعيد.

ومن مقاصد الجهاد أنه يحفظ هيبة الدولة الإسلامية، وذلك عن طريق معاقبة ناقضي العهود والمواثيق، أو من يعاهد ثم يضمر نقض هذا العهد وخيانة هذا الميثاق، ويبدأ في اتخاذ وسائل عملية للإغارة على دولة الإسلام، قال تعالى:"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ". الأنفال: 58.

قال ابن عاشور:"حكم عام لمعاملة جميع الأقوام الخائنين بعد الحكم الخاص بقوم معينين الذين تلوح منهم بوارق الغدر والخيانة، بحيث يبدو من أعمالهم ما فيه مخيلة بعدم وفائهم، فأمره الله أن يرد إليهم عهدهم، إذ لا فائدة فيه وإذ هم ينتفعون من مسالمة المؤمنين لهم، ولا ينتفع المؤمنون من مسالمتهم عند الحاجة."

والخوف توقع ضر من شيء، وهو الخوف الحق المحمود. وإما تخيل الضر بدون أمارة فليس من الخوف وإنما هو الهوس والتوهم. وخوف الخيانة ظهور بوارقها. وبلوغ إضمارهم إياها، بما يتصل بالمسلمين من أخبار أولئك وما يأتي به تجسس أحوالهم" [2] ."

وقال تعالى:"وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ. أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. التوبة:12 - 13."

(1) تفسير السعدي: 659 - 660.

(2) التحرير والتنوير: 9/ 141. مؤسسة التاريخ العربي. بيروت - لبنان. الطبعة الأولى. 1420 هـ/2000 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت