وتدل الآية على أنه إذا وقعت الخيانة فعلًا وأقدم العدو على خرق الاتفاقية والغدر والخيانة بعد العهد والميثاق فالمسلمون ليسوا في حل منها فحسب، بل هم مأمورون بشن الغارة على الخائنين الغدرة وإنزال العقاب بهم لقوله تعالى:"فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ".
وقد طبق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الأوامر الربانية في تعامله مع الأعداء في حروبه ومغازيه، ومن أمثلة ذلك: فتح مكة المكرمة، وكان غزْوُهُ لها لأجل قيام قريش بنقض العهد والميثاق الذي وقعوا عليه في الحديبية عام 6 هـ، فجهّز جيشا ولم يعلن بذلك بل فاجأ العدو بالهجوم على مكة المكرمة وهذا ما تبعه النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع العدو الناكث للعهد، والناقض للميثاق؛ أنه لا بد من الكتمان والسرية لجميع الاستعدادات لشن الغارة على العدو الغادر الخائن.
ونقض يهود بني قينقاع الميثاق بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر، وهددوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين؛ قالوا:"يا محمد لا يغرنّك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلقَ مثلنا". وتمادوا في الشر فكشفوا عورة مسلمة عفيفة، فصاحت واستغاثت؛ فكانت فتنة قُتل فيها اليهودي ومسلم، وهذا نقض للعهد صريح منهم، فأخبرهم الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بانتهاء الميثاق وانتقاض العهد ثم حاصرهم وأجلاهم من المدينة مع نسائهم وذراريهم، وعادت للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أموالهم فيئًا ولحقوا بالشام ونزلوا بـ"أذرعات"،وموقعها الآن في الأردن [1] .
ولا يخفى أن مثل هذه القوة في الرد، ومعاقبة من يشرع في نكث العهد والاعتداء، تمثل إبراز هيبة الدولة المسلمة في قلوب أعدائها، فلو علم من سينقض عهدا أو يخون عقدا بأن مفاجأة المسلمين له ستلاحقه لفكر ألف مرة قبل الإقدام على نقضه للعقود ونكثه للعهود.
كما لا يخفى أيضا أن في هذا تحقيقا للأمن وإرساء للأمان؛ لما في ذلك من قوة رادعة كما في قوله تعالى:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ". الأنفال: 60. وأن في مراعاة حركة القتال في الإسلام لتلك العهود والعقود والمواثيق إرساء للأمن والأمان، وحفظا للسلام في المجتمع والعالم.
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 3/ 40 - ،42 الطبعة الأولى لدار الخير عام 1410 هـ/1990 م، وراجع ما فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع بني النضير وبني قريظة في: السيرة النبوية لابن هشام 3/ 151 وما بعدها، و عيون الأثر في فنون المغازى والشمائل والسير: 2/ 103 وما بعدها، تأليف الحافظ أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس المتوفى 734 هـ، تحقيق د. محمد عيد الخطراوي ومحيي الدين مستو، الطبعة الأولى عام 1413 هـ/1992 م، وراجع بحثا بعنوان: مفهوم الجهاد في سبيل الله و مقاصده. بقلم: د. عصمت الله عنايت الله، أستاذ في الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام آباد، والبحث منشور في موقع ملتقى أهل الحديث.