شاهدة بأنه قد نجا" [1] . ولا مانع من الجمع بين هذا كله، لعدم وجود تعارض بين اجتماعها، فلا يُستبعد أن يجمع الشهيدُ بين هذه المكارم جميعا."
وهو من آثار الجهاد، وذلك أن النفس دائما تركن إلى الشهوات، وتثَّاقل إلى الأرض كلما دعاها داعي الجهاد، فالنفس سرعان ما تستجيب لشهواتها، وتؤثر السلامة بعيدا عما يُتعب النفس و يرهقها، ويبعدها عن الوطن والأهل والمال والضيعات، قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ". التوبة: 38.
ويأتي الجهاد في سبيل الله ليهذب النفس ويعوِّدها المجاهدة وعدم الاستسلام، ويعزز عندها مقاومة الرغبات والشهوات، والركون إلى الملذات والأهل والضيعات، ويجرده من هذا كله عبدا خالصا لله وحده، مقبلا غير مدبر، غير راغبٍ في فضلٍ من أحدٍ إلا الله، ولا راهبٍ أحدًا سواه.
ومن أجل هذا كله ولترغيب النفس في هذه العبادة الكبيرة يرفع الشرع الحنيف غايات الجهاد وآثاره أمام المجاهدين، ويبرز الأجر والثواب الذي يحوزه المجاهد متى كان جهاده في سبيل الله.
ومن آثار الجهاد التي تعود على الفرد أن هذه الفريضة من أجلِّ أنواع الابتلاء للمؤمن، فالإنسان بطبيعته يحب الراحة والدعة والإخلاد إلى الأرض؛ لأنه مخلوق ـ في بعض تكوينه ـ من هذا الحمأ المسنون، فحين يأمره الشرع بالقتال ـ وهو كره له ـ يكون هذا من أبرز أنواع الابتلاء والاختبار.
قال تعالى:"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". الأنفال: 17.
وقال تعالى:"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ". محمد: 31.
وقال تعالى:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ". آل عمران: 142.
(1) فتح الباري: 6/ 42 - 43.