يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال ما هذا قالوا قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ما هذا؟ قال:"قسمته لك"قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال:"إن تصدق الله يصدقك"فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أهو هو؟"قالوا نعم قال:"صدق الله فصدقه". ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته:"اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك" [1] .
وروى مسلم بسنده عن سهل بن حنيف حدثه عن أبيه؛ عن جده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من سأل الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" [2] . فدل هذا الحديث والذي قبله أن الشهادة مطلب يُطلب وحده ولذاته، ويقصده القاصدون."
وكان الصديق ـ رضي الله عنه ـ يحرّض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويذكر لهم أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ وبالجرأة يسهل الظفر، فقد حرض وحض أبو بكر خالد بن الوليد على القتال بقوله:"احرص على الموت توهب لك الحياة" [3] .
وحسبنا للتدليل على درجة الشهيد العالية ومكانته من الله ومن الناس يوم القيامة ما جاء في اختلافهم حول سبب تسمية الشهيد شهيدا: فقال النضر بن شميل:"لأنه حي فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة، وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة، وقيل لأنه يشهد له بالأمان من النار، وقيل لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا، وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة، وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل، وقيل لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة، وقيل لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع، وقيل لأن الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه، وقيل لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره، وقيل لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة، وقيل لأنه مشهود له بالأمان من النار، وقيل لأن عليه علامة"
(1) سنن النسائي: كتاب الجنائز. باب الصلاة على الشهداء.
(2) صحيح مسلم: كتاب الإمارة. باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى
(3) أبو بكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره: 5/ 101. د. علي الصلابي. 1422 هـ - 2001 م.