الصفحة 7 من 20

ومن المقاصد الفردية ابتغاء مرضاة الله تعالى والسعي نحوها، قال سبحانه:"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ". البقرة: 207.

وقد ذكر الإمام الطبري اختلاف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها. فقال بعضهم: نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله ... وقال بعضهم: نزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم ... وقال آخرون: بل عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف.

ثم قال الطبري:"فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله عز وجل وصف شاريًا نفسَه ابتغاء مرضاته، فكل من باعَ نفسه في طاعته حتى قُتل فيها، أو استقتل وإن لم يُقتل، فمعنيٌّ بقوله:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله"- في جهاد عدو المسلمين: كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر" [1] .

والصياغة اللغوية في الآية تدل على أن"ابتغاء مرضاة الله"مقصد للمجاهدين في سبيله، فهي منصوبة على المفعول لأجله، أي أنهم يبيعون أو يشترون ـ كما تدل الكلمة، وكما وافقتها روايات أسباب النزول ـ أنفسهم من أجل مرضاة الله تعالى.

ثانيا: المقاصد والآثار المتعدية أو الجماعية:

إذا كان ما سبق يعبر عن المقاصد الفردية أو اللازمة للقتال في سبيل الله، فإن له مقاصد جماعية واجتماعية تعود على الجماعة ولا تهمل الفرد في الوقت نفسه باعتبار الفرد نواة المجتمع والجماعة.

ولعل المتأمل في المقاصد المتعدية للجهاد يتبين له بجلاء ـ كما سيأتي ـ أنها هي الأهم والأنفع والأكثر تحريا وترسما لفرض القتال وتدابيره الشرعية، وليس معنى هذا أن المقاصد الفردية أو اللازمة غير مهمة، بل هي من الأهمية بمكان كما سبق البيان، ولكن الحديث هنا عن الأهم والأبرز.

وإذا كان الفقهاء والأصوليون اهتموا بالمقاصد الفردية عند حديثهم عن المقاصد الشرعية بشكل عام غير مبينين للمقاصد الاجتماعية باعتبار أن تحقيق مقاصد الفرد تفضي في النهاية لتحقيق مقاصد الجماعة، فإن الأمر هنا مختلف في الحديث عن مقاصد الجهاد.

(1) جامع البيان في تأويل القرآن: 4/ 247 - 251. تحقيق أحمد محمد شاكر. مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى. 1420 هـ - 2000 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت