فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 90

عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) )قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ. قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ. أَمَا تَقْرَأُ: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) )فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ [1] .

وقد جاء في الحديث: عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [2] . وهذا التحديد يجعل من أهم أهداف الدعوة: الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.

ولذلك لم يتلفظ النبي صلى الله عليه وسلم لفظًا سيئًا بسباب أو شتائم طوال حياته الشريفة على أيِ شخصٍ؛ كائنًا من كان, كما جاء في الحديث, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً [3] . فتمثل عليه الصلاة والسلام هذا الهدف الكبير في حياته قولًا وعملًا، فحري بالداعية أن يقتدي به، فيجعل هذا الهدف من أهم أهداف دعوته.

-عمارة الأرض: من خلال الدعوة إلى الله تعمر الأرض عمارة حسية ومعنوية بالصالحات والحسنات، ويكرم الصالحون، ويكون لهم سلطان على المجتمع, وبدونها تروج البدع والضلالات, وتكون الشوكة للفساق والفجار, فليحرص الداعية على عمارة هذه الأرض من خلال دعوته, بل قد جعل الله تعالى خلقه الناس لعمارة الأرض كما قال سبحانه: (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ) [البقرة:33] . فنلحظ هنا أن جعل خلق آدم عليه السلام ليكون خليفةً في الأرض، والخلافة تعني عمارة الأرض، ومن هنا فالدعوة في هذا الدين يجب أن تكون سببًا لهذه العمارة، وعليه فما كان مفسدًا لهذا الكون من فساد وقتل وتدمير فهو خارج عن الهدف الحقيقي، بل لم يجعل الجهاد في سبيل الله إلا للعمارة، فلو كان الجهاد مفسدًا للكون لخرج عن هدفه الحقيقي، وهذا المعنى

(1) مسند أحمد (6/ 91) .

(2) مسند أحمد (6/ 91) .

(3) صحيح مسلم, كتاب البر والصلة والآداب، باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم: (2599) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت