عظيم فليتأمل.
-القيام بمهمّة البلاغ: إن من أهداف الدعوة إلى الله إقامة الحجة على الجميع, ولقد ورد في كثير من الآيات بأن هذا الأمر كان من مهمة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: (( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) ) [الشورى:48] , وقال في موضع آخر: (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) ) [الغاشية:26] , وجاء في موضع آخر: (( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) ) [ق:45] , وكما جاء على لسان إبراهيم: (( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [العنكبوت:18] ، يقول القرطبي: «قيل: هو من قول إبراهيم, أي التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ» [1] . وقال تعالى: (( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [النحل:35] . بل قد ورد هذا المعنى حوالي خمس عشرة مرة في القرآن، وكل ذلك يؤكد بأن مهمة الرسل والنبيين البلاغ المبين. ومعنى ذلك أنه ليس الهدف الحصول على النتائج، فإذا بلّغ المبلّغ حقّق هدفه، قال تعالى: (( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) ) [الأعراف:165] . فليفهم هذا المعنى العظيم حتى لا يصل هدف الداعي إلى الانتقام الشخصي، أو المجادلة بالباطل، أو تحقيق ما أراد ولو تبين خلافه.
-وخلاصة الكلام وبعبارة مختصرة تجتمع هذه الأهداف في (نقل العباد من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد) ، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] ودعوة كل نبي كانت تؤكد على هذا المبدأ, كما قال تعالى: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ) [النحل:36] وقال تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) ) [الأنبياء:25] , والرسول صلى الله عليه وسلم جاء لتحقيق «لا إله إلا الله» , ولذا كان يدعو إلى هذه الكلمة كلَّ من يلقاه, في المجالس والأسواق ومجامع الناس, فعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ وَكَانَ جَاهِلِيًّا أَسْلَمَ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا» . وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ, فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا, وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا» إِلَّا
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد السابع, 13/ 336.